نقطة ارتكاز
مرتضى ميرغني
” الإعمار .. الوجه الآخر لمعركة الدولة ”
لم يعد الإعمار في الخرطوم مجرد عمل خدمي أو نشاط فني مرتبط بإصلاح ما دمرته الحرب بل أصبح قرارا سياسيا يعكس إرادة الدولة في البقاء واستعادة السيطرة على الحياة العامة ..
ففي لحظة وطنية معقدة حيث تُختبر فيها قدرة الدولة على الصمود ، يتحول البناء إلى رسالة واضحة ، هذه العاصمة لم تُترك وهذا الوطن لم ينسحب من معركته ..
الخرطوم ليست مدينة عادية بل مركز الدولة ورمز وحدتها ، وما تعرضت له من دمار استهدف البنية التحتية كما استهدف الثقة في فكرة الدولة ذاتها .. لذلك فإن الشروع في الإعمار ليس مجرد استجابة للخراب بل فعل سيادي يواجه خطاب الانهيار ، ويؤكد أن الدولة حاضرة وتملك الإرادة والقدرة على إعادة تنظيم الفضاء العام واستعادة وظائفه الأساسية ..
أبطال الإعمار الذين يعملون اليوم في ظروف بالغة الصعوبة لم يختاروا الطريق الأسهل .. كان بإمكانهم المغادرة أو الانتظار لكنهم اختاروا الميدان .. لم يدخلوا هذا الملف بدافع المكسب ، بل بدافع المسؤولية الوطنية مدركين أن ترك الخراب دون مواجهة يعني ترسيخه كأمر واقع ، هؤلاء يخوضون معركة يومية ضد الزمن وضد نقص الموارد ، وضد مخاطر العمل في بيئة لم تتعافى بعد ..
وعلى مستوى القيادة الميدانية لإعادة البناء تبرز لجنة تعمير ولاية الخرطوم بقيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر بوصفها تعبيرا عمليا عن حضور الدولة في قلب العاصمة .. فالوجود الميداني والمتابعة المباشرة واتخاذ القرار في ظروف معقدة كلها مؤشرات على فهم واضح بأن إعادة إعمار الخرطوم ليست ملفا فنيا مؤجلا، بل أولوية سيادية ومسؤولية وطنية تُدار بالفعل لا بالانتظار ..
والإعمار لا يقتصر أثره على إعادة المباني أو إصلاح الطرق بل يشكل شرطا مباشرا لعودة المواطنين من النزوح .. فالمواطن لا يعود إلى مدينة بلا خدمات ولا يستقر في أحياء بلا ماء أو كهرباء أو مؤسسات عاملة .. وكل تقدم في الإعمار هو خطوة عملية نحو كسر حلقة النزوح وإعادة الناس إلى بيوتهم وربطهم من جديد بمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي .. من هنا فإن الإعمار ليس فقط إعادة بناء للحجر ، بل إعادة توطين للحياة ..
كما أن هذه الجهود تمثل عاملا حاسما في استعادة الثقة بين المواطن والدولة ، فحين يرى المواطن أن مدينته تُرمم وأن الخدمات تعود تدريجيا تتراجع مشاعر اليأس والخذلان ويستعاد الإحساس بوجود دولة تتحمل مسؤولياتها .. وهذه الثقة هي أساس أي استقرار سياسي أو أمني مستدام ..
إن السودان اليوم يخوض معركة متعددة الوجوه . ففي الوقت الذي تُدار فيه المواجهات العسكرية تُدار معركة أخرى لا تقل خطورة داخل المدن فكما أن حماية الأرض ضرورة ، فإن إعادة الحياة إليها ضرورة أكبر .. والإعمار هو الجسر الذي يربط بين وقف الحرب وبدء السلام وبين الصمود المؤقت والاستقرار الدائم ..
ما يحدث في الخرطوم ليس مجرد إعادة إعمار مدينة بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة مواطنيها قبل استعادة مبانيها .. فعودة النازحين هي المعيار الأصدق لنجاح الإعمار وهي الدليل العملي على أن العاصمة استعادت حدها الأدنى من الأمان والخدمات ..
التحية لأبطال الإعمار جنود الوطن في معركة البناء والتحية لقيادتهم التي اختارت أن تواجه الخراب بالفعل لا بالخطاب ، مؤكدة أن البناء هو الطريق الأقصر لعودة المواطن وأن استعادة الخرطوم تبدأ بإعادة أهلها إليها ..





