حاطب ليل
د. عبداللطيف البوني
من “روزا باركس” الي “آيات الله”
في الأول من ديسمبر 1955م، وفي ولاية الاباما جلست العاملة “روزا باركس” الأمريكية من أصل أفريقي في مقعدها في الحافلة بعد يوم مضني في العمل …فجاء رجل أبيض وطلب منها الوقوف لكي يجلس هو وهذا وفقاً للقانون العنصري المطبّق يومها … فرفضت الوقوف(ركبت رأس)..فعوُقبت بالسجن فالتقط الجمهور الواقعة …وقامت حركة احتجاجية واسعة في الولاية المعنية وقاطع الجمهور (أسود على أبيض) الحافلات لأكثر من عام ….وقاد الحركة الجماهيرية ابن الزعيم مارتن لوثر كنج …..وكادت الحركة أن تتوقّف في الولاية وبدأت عدوى الاحتجاج تتسرّب الي الولايات الأخرى بما فيها واشنطن ونيويورك …والحال هكذا أعلنت المحكمة الأمريكية العليا في نوفمبر 1956م، الغاء قوانين الفصل العنصري في كل الولايات المتحدة وسميت هذة الهبة حركة الحقوق المدنية…وشكّلت أكبر تغيير سياسي واجتماعي في تاريخ الولايات المتحدة.
قريب من حادثة “روزا باركس” ما حدث لموظف أراضي ولاية الخرطوم في الأسبوع الماضي آيات الله الماذون الذي رفض تجاوز القانون لعضو مجلس السيادة سلمى عبد الجبار فتم إيقافه من رئيسه المباشر أمين حكومة ولاية الخرطوم …فقامت “السوشيال ميديا”، بتصعيد القضية فأصبحت “ترينداً” … مما اضطر السلطات العليا للتدخل فأُرجع آيات الله إلى عمله واعتذر له رئيس الوزراء شخصياً… وواصلت “السوشيال ميديا” هيجانها ….فطالبت بمعاقبة أمين عام حكومة الولاية لتصرفه الأخرق بتوقيف آيات الله ،وطالبت باستقالة عضو مجلس السيادة ..لقد تحوّل الأمر إلى ثورة ضد استغلال النفوذ …لا بل تعالت الأصوات لاستغلال الفرصة للإعلاء من شأن دولة القانون في مواجهة دولة النفوذ ….فدولة النفوذ في بلادنا مستشرية “من بدري” وهي التي أهلكت الحرث والنسل لن نبعد النجعة إذا قلنا أن هذه الحرب الكارثية الان إحدى إفرازاتها …
الا قل لي بربك ألم يكن نشأة مليشيا الدعم السريع استغلالاً للنفوذ؟ ألم يكن تعملقه استغلالاً للنفوذ ؟ ألم يكن استغلال حميدتي لأجهزة الدولة لدرجة الطمع في حكمها استغلالاً للنفوذ ؟!.
لم يكن في سجن “روزا باركس” أي مخالفة للقانون …كما أن ما قامت به عضو مجلس السيادة من استغلال نفوذ يعتبر بسيطاً جداً مقارنة مع الذين استغلوا نفوذهم في أكل أموال الشعب بالباطل .. وما أكثرهم… ولكن “شقى الحال بيقع في القيد” … وبالمقابل هناك كثيرون مثل آيات الله منضبطون في عملهم ولكن أراد الله أن يرفع ذكره لحكمة يعلمها هو …
ما نتج من هبّة شعبية لما حدث ل”روزا باركس” وآيات الله يدل على أهمية الرأي العام . .وقوة تأثيره …(ألسنة الخلق أقلام الحق) إنه أنجع من الانقلابات العسكرية ومن بالثورات الشعبية ، وما ينتج عنها من عصيان مدني واضطرابات ..إن “روزا باركس” وآيات الله “مواطنين عاديين” وليس لهما أي مزاعم ولا ادعاءت عريضة ولا يعرفهما غير المحتكّين بهما مباشرة ..ولكن يضع حكمته في أضعف خلقه …بيد أن ما حدث لهما أثار قضايا أساسية لمست وتراً حسّاساً في الرأي العام لذلك حدث ما حدث …
ورغم كل الذي تقدّم لا نملك إلا أن نتحسّر بالقول إن رأي عام لرأي يفرق …فالرأي العام عندنا نفسه قصير وغداً إن لم نقل سوف ينسى آيات الله وينصرف لقضايا فارغة … ومع ذلك فإننا نتمنى أن تكون هذه القضية مدخلاً لمحاربة دولة النفوذ واقتلاعها من جذورها …على الحكومة ان تكون اليوم قبل الغد هيئة للشفافية والنزاهة… وليمضي الشعب في محاصرة السياسيّين الذين يستغلّون نفوذهم وهم أكثر من الهم في القلب …دعونا نستغل ثورة الاتصالات هذه فيما ينفع البلاد والعباد بمحاصرة مواطن الهشاشة فينا …ولا تستحقرن من المعروف شيئا …وما أجمل الأشياء عندما تبدأ صغيرة وتكبر وما أسوأ ما تبدأ كبيرة وتصغر.






