اعتبار استهداف الإغاثة والنازحين جريمة حرب..
من الإدانة إلى المساءلة..ملاحقة المليشيا..
تقرير :علم الدين عمر
سلاح التجويع.. إنتهاك ممنهج للقانون الإنساني الدولي
الإفلات من العقاب وتهديد الحماية الإنسانية.. مغادرة محطة الشجب
الكتلة الديمقراطية طالبت بالردع وفرض عقوبات مباشرة على المتورّطين
أعاد استهداف قافلة مساعدات إنسانية بولاية شمال كردفان تسليط الضوء على واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالنزاع في السودان.. وهي تحويل العمل الإنساني إلى ساحة صراع.. واستخدام التجويع كوسيلة حرب..في بيان شديد اللهجة..أدانت الكتلة الديمقراطية الهجوم الذي نفّذته مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها..واعتبرته جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي.. مؤكدة أن بيانات الإدانة وحدها لم تعد كافية.. وأن المرحلة الراهنة تتطلب الإنتقال إلى الردع والمحاسبة..
التزام قانوني
ويرى الخبراء أنه بحسب قواعد القانون الإنساني الدولي.. ولا سيما اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية.. تتمتّع القوافل الإنسانية بحماية خاصة ويُحظر استهدافها أو عرقلة وصولها إلى المدنيين المحتاجين.. تحت أي ذريعة عسكرية أو أمنية.. ويُصنف الإعتداء على المساعدات الإنسانية أو منع وصولها..إذا تم بشكل متعمّد..ضمن الإنتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم حرب..
وفي هذا الإطار،قالت الكتلة الديمقراطية أن ما جرى في شمال كردفان لا يمكن فصله عن الإطار القانوني.. معتبرة أن الهجوم يعكس استخداماً مباشراً للتجويع كسلاح نزاع.. في مخالفة صريحة للمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول..التي تحظر تجويع المدنيين أو إستهداف الأعيان الضرورية لبقائهم.
سلاح التجويع
لا ينظر إلى استهداف قافلة شمال كردفان كحادثة معزولة بل كجزء من نمط أوسع من الإنتهاكات التي طالت المدنيين في عدة ولايات،حيث تكرّرت حوادث الحصار..وقطع طرق الإمداد.. ومنع وصول الغذاء والدواء..بما يشير إلى سياسة ممنهجة وليس مجرد تجاوزات فردية.
وتحذّر مصادر حقوقية من أن هذا النمط يشكل تهديداً مباشراً لمبدأ الحياد الإنساني. ويقوض قدرة المنظمات الدولية على العمل في بيئات النزاع.. كما يضاعف من حجم الكارثة الإنسانية في بلد يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً بسبب تفلت المليشيات وعدم إتباعها لأي برتكول عسكري إنساني منضبط..
ترحيب وتحذير
الكتلة الديمقراطية رحّبت بالإدانات الصادرة عن أطراف إقليمية ودولية، لكنها تلفت الإنتباه إلى أن الإكتفاء بالإدانة اللفظية لم ينجح في حماية المدنيين أو ردع الإنتهاكات.. فخلال فترة الحرب. صدرت عشرات البيانات الدولية التي شجبت إستهداف المدنيين والبنية التحتية والخدمات الإنسانية..دون أن يترتب عليها تغيير ملموس في سلوك المليشيا والمتحالفين معها..
ويرى مراقبون أن هذا الخلل يعكس فجوة مزمنة بين الخطاب الحقوقي الدولي وآليات إنفاذه.. حيث تبقى الإدانة أداة سياسية رمزية ما لم تُقرن بإجراءات عملية تفرض كلفة حقيقية على مرتكبي الإنتهاكات..
دعوة إلى الردع
انطلاقًا من هذا التقييم..دعت الكتلة الديمقراطية إلى تفعيل أدوات الردع والمساءلة..عبر فرض عقوبات مباشرة ومحددة الهدف.. تشمل تجميد الأصول المالية.. وحظر السفر.. وملاحقة القيادات المتورّطة في أستهداف المدنيين والإغاثة.. سواء في مليشيا الدعم السريع أو الجهات المتحالفة معها..بما في ذلك الحركة الشعبية – جناح الحلو..وكل من يقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر لهذه الانتهاكات…
وتؤكد الكتلة أن هذه العقوبات لا ينبغي أن تُفهم كعقاب سياسي جماعي..بل كإجراءات قانونية تهدف إلى حماية المدنيين.. وصون العمل الإنساني..ومنع تكرار الجرائم..وفق مبدأ المساءلة الفردية المعتمد في القانون الدولي..
الإفلات من العقاب
ويحذّر خبراء في القانون الدولي الإنساني من أن إستمرار الإفلات من العقاب لا يؤدي فقط إلى تكرار الانتهاكات.. بل يخلق بيئة تُشرعن إستخدام الغذاء والدواء كأدوات ضغط عسكري..وفي السياق السوداني.. أدى غياب المحاسبة إلى تصاعد خطير في استهداف المدنيين.. واتساع رقعة الانتهاكات المرتبطة بالبعد الإنساني..
ولذلك التغاضي الدولي عن هذه الجرائم يقوّض مصداقية منظومة العدالة الدولية.. ويضعف الثقة في قدرة المجتمع الدولي على حماية المبادئ الأساسية التي تأسست عليها قوانين النزاعات المسلحة..
مسؤولية المجتمع الدولي
تمثّل قضية إستهداف الإغاثة في السودان اختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي في الدفاع عن القانون الإنساني..فحماية المدنيين لا تتحقق عبر الخطابات وحدها.. بل تتطلب دعم آليات التحقيق الدولية..وتفعيل أدوات المساءلة.. وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب..
وفي ظل اتساع الأزمة الإنسانية.. تبدو الحاجة ملحة لإعادة تعريف دور الفاعلين الدوليين.. من مجرد مراقبين للأحداث إلى أطراف فاعلة في فرض إحترام القانون الدولي وحماية العمل الإنساني..
حماية المدنيين
خلصت الكتلة الديمقراطية إلى أن غياب العدالة يشكل أحد أبرز أسباب إطالة أمد النزاع وتعميق الكارثة الإنسانية.. فاستهداف قوافل الإغاثة في شمال كردفان ليس مجرد انتهاك قانوني.. بل تهديد مباشر لحق المدنيين في الحياة والكرامة..
وبينما تتواصل الإدانات.. يبقى السؤال مفتوحاً : هل يكتفي المجتمع الدولي بالشجب.. أم ينتقل إلى مرحلة الردع والمحاسبة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل الحماية الإنسانية في السودان.. بل مصداقية النظام الدولي القائم على حماية المدنيين في أوقات النزاع.






