وكالات الأمم المتحدة أطلقت تحذيرات خطيرة أطفال السودان.. كارثة وشيكة

وكالات الأمم المتحدة أطلقت تحذيرات خطيرة

أطفال السودان.. كارثة وشيكة

“825” ألف طفل يواجهون خطر الوفاة..سوء التغذية

نزوح وجوع وحصار ..أطفال دارفور وكردفان معركة البقاء

دعوات لفصل الملف الإنساني عن الأجندة السياسية

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

دخلت أزمة الأطفال في السودان مرحلة أكثر قتامة مع إطلاق وكالات الأمم المتحدة تحذيراً غير مسبوق من تعرض نحو “825” ألف طفل سوداني لخطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري، في وقت تتسع فيه دائرة الحرب والنزوح، وتتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين، بينما يقف ملايين الأطفال في مواجهة الجوع والمرض والتشرد والانتهاكات، ويأتي هذا التحذير ليعكس حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، حيث بات الأطفال الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً، وسط انهيار الخدمات الأساسية وتراجع الإمدادات الغذائية واتساع رقعة الصراع في عدد من الولايات.
أطفال في دائرة الخطر
وأطلقت كل من برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة ( الفاو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة تحذيراً مشتركاً أكدت فيه أن استمرار النزاع والنزوح وتقييد وصول المساعدات الإنسانية يضع أكثر من 825 ألف طفل أمام خطر الوفاة بسبب سوء التغذية الحاد خلال عام 2026م، ويرى مراقبون أن هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة غذائية، وإنما تكشف عن انهيار متسارع في بيئة الحماية والرعاية للأطفال، في ظل تعقيدات المشهد الإنساني وصعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالحرب.
أرقام صادمة
البيان المشترك للوكالات الأممية كشف مؤشرات مقلقة حول الوضع الإنساني، إذ أشار إلى علاج قرابة 100 ألف طفل من حالات سوء التغذية الحاد الوخيم خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026م، وهي حالات ترتبط بخطر الوفاة المباشرة إذا لم تتلق التدخلات العلاجية العاجلة، كما حذر البيان من أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفقاً للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يواجه نحو 135 ألف شخص أوضاعاً كارثية تهدد بالمجاعة في 14 منطقة ساخنة بولايات شمال وجنوب دارفور ، بالإضافة إلى ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، وأظهر التحليل أن أكثر من خمسة ملايين شخص دخلوا مرحلة الطوارئ الغذائية، في وقت لم تتجاوز فيه تغطية خطة الاستجابة الإنسانية 20% حتى أبريل 2026م، وهو ما يعكس فجوة ضخمة بين الاحتياجات والموارد المتاحة، ورغم استهداف العاملين في المجال الإنساني الوصول إلى 4.8 مليون شخص شهرياً، فإن المساعدات لم تصل فعلياً سوى إلى نحو 3.13 مليون شخص خلال فبراير الماضي، ما يعكس استمرار القيود اللوجستية والأمنية التي تعيق الاستجابة.
جيل تحت الحصار
ويمثل الأطفال اليوم الواجهة الأكثر إيلاماً للحرب السودانية، إذ يواجه السودان واحدة من أكبر أزمات نزوح الأطفال في العالم، مع وجود ملايين الصغار بين نازحين داخل البلاد ولاجئين في دول الجوار، فلم تحرم الحرب هؤلاء الأطفال من الغذاء فحسب، بل نزعت عنهم أبسط حقوقهم؛ فالمدارس أُغلقت في مناطق واسعة، والخدمات الصحية تراجعت، فيما أصبح آلاف الأطفال عرضةً للأمراض وسوء التغذية والحرمان النفسي والاجتماعي، وأفرزت الحرب مخاطر إضافية تمثلت في تزايد حالات التشرد، وظهور أطفال الشوارع، وارتفاع احتمالات الاستغلال والتجنيد القسري والانخراط في الأنشطة العسكرية، في ظل انهيار البنية التحتية وضعف منظومات الحماية، وباتت حياة آلاف الأسر تدور بين النزوح المتكرر وفقدان المأوى والأمان، بينما ينمو جيل كامل وسط أصوات الحرب بدل مقاعد الدراسة.
جوع وتدهور
في ولايات دارفور وكردفان تبدو الصورة أكثر قسوة، حيث أدى الحصار وشح الإمدادات وتدهور الأوضاع المعيشية إلى تفاقم المجاعة وسوء التغذية، وتناقلت تقارير وشهادات إنسانية صوراً صادمة لأسر اضطرت للاعتماد على لحاء الأشجار وثمار النباتات البرية لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، بينما فقد أطفال حياتهم نتيجة الجوع والأمراض المرتبطة بسوء التغذية، وأصبح الأطفال في تلك المناطق يواجهون معركة يومية من أجل البقاء، وسط غياب الغذاء والدواء وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
انتقادات للمنظمات
وفي مقابل حجم الكارثة، تتصاعد أصوات تنتقد ضعف التفاعل الدولي مع قضية الأطفال السودانيين، معتبرة أن الاستجابة الإنسانية لا تزال دون مستوى الأزمة، وتشير هذه الانتقادات إلى أن الأطفال في دارفور وكردفان ظلوا يواجهون الانتهاكات والعنف والنزوح وانعدام الاستقرار، بينما بقيت الاستجابة الدولية محدودة مقارنة بحجم المخاطر، كما يرى متابعون أن استمرار القتال وانعدام الأمن وتراجع الحماية جعل الأطفال وعائلاتهم عالقين داخل مناطق النزاع المباشر، في ظل ظروف تنذر بمزيد من التدهور الإنساني والنفسي.
تحرك السودانيين بالخارج
وقالت الناشطة في العمل الإنساني والخبيرة في مجال اللجوء والعمل الطوعي الأستاذة مريم البتول أوشي، إن الوضع الإنساني في السودان بلغ مرحلة كارثية، وأكدت في إفادتها ل”الكرامة” أن تصاعد الضغوط المعيشية على الأسر يتطلّب تحركاً واسعاً من السودانيين بالخارج لدفع المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للتحرك بصورة أكثر فاعلية، منوهة إلى أن المجتمع الدولي يتحرك وفقاً لمصالحه، وأن الجهات الدولية غالباً ما تربط تدخلاتها بشروط ومسارات محددة، مضيفة أن السودانيين أنفسهم هم الأقدر على تحديد أولوياتهم والدفاع عنها. مبينة أن كثيراً من المنظمات الإنسانية العاملة داخل السودان ترتبط منذ سنوات بشراكات خارجية، بعضها أمريكي وأخرى تعمل عبر مؤسسات دولية، ما يجعل تحريك دورها يحتاج إلى ضغط منظم من السودانيين بالخارج، ودعت أوشي الجاليات السودانية في بريطانيا وأستراليا وبقية دول العالم إلى إطلاق مناشدات موحدة حول الكارثة الإنسانية في السودان والعمل على وضعها ضمن أولويات المجتمع الدولي، كما أشارت إلى أن وجود الأمم المتحدة داخل السودان قائم حالياً من خلال مقرات تعمل في مناطق الحكومة، لكن توسيع نشاطها الميداني يحتاج إلى ضغط شعبي منظم، مشددة على ضرورة فصل الملف الإنساني عن التجاذبات والأجندة السياسية والتفاوضية، مؤكدة أن تحرك السودانيين بالخارج يمكن أن يشكل قوة ضغط حقيقية لدفع المنظمات إلى التحرك على الأرض.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. تبقى التحذيرات الأممية بمثابة جرس إنذار لتجاوز أزمة أطفال السودان حدود الطوارئ الإنسانية لتصبح معركة وجود لجيل كامل يواجه الجوع والنزوح والمرض وفقدان التعليم والأمان، ومع اتساع رقعة الحرب وتراجع التمويل الإنساني واستمرار القيود على المساعدات، تبدو الحاجة ملحة لتحرك عاجل يضع الأطفال في مقدمة الأولويات، قبل أن تتحول الأرقام والتحذيرات إلى خسارة إنسانية لا يمكن تعويضها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top