حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
السيارة …وهمة الطبقة الوسطى
(1)
بعد اغتراب عقب التخرج مباشرة عُدت في منتصف ثمانينات القرن الماضي … .فأصبحت من المساسقين بين القرية والخرطوم … فنحن من العاصمة لا قرباً يريّح ولا بعداً ينسي ..كانت وسيلتنا الرئيسة العربات (سفنجة أوستن).. وبص اللبن أو بص المقابلة حيث الكنبتين الطوال وبينهما قدور اللبن والبضائع و الرغيف ،و بهائم ودجاج وبعض الواقفين شماعة ..رحم الله حبيبنا /الحبيب جيب الله الذي كتب على بصه من الداخل (دايرة صبر) وفعلاً كانت تحتاج لصبر أيوب… ومع ذلك أحن إليها اليوم …ثم ظهرت الباصات ذات المقاعد .. ثم الدفارات المظللة رغم عدم آدميتها ..لكنها أضافت عنصر السرعة ….ومهّدت لظهور الحافلات (الروزات).. وهي آخر ما وصلت إليه المواصلات العامة من رفاهية وعلى المستوى العالمي .. .طبعاً في السودان تسودنت بالصفافير وغيرها ..لم استمتع كثيراً بالمساسقة في الحافلات… حيث تم تعييني عميداً لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة أم درمان الاسلامية في ٢٠٠٣ تقريباً… وكان من مخصصات الوظيفة سيارة … ومن هنا بدأ (خراب الطبع) فعندما قدمت استقالتي من العمادة لم أرجع للمواصلات العامة… فاغتنيت سيارة (كيا …برايد)تجميع إيراني من شركة هاشم هجو بالتقسيط من ديك وعييك…
(2)
قبل الحرب وصلت مرحلة كوريلا موديل متقدم … أقترح على الأبناء عربية عالية لزوم (البرستيج) كما قالت احداهن.. ولكن رأيت أنه لا لزوم لها… ثم جاء الدعامة وأوقفوا الجدل وأخذوا الكوريلا وكل ما وجدوه من متاع و(بقينا في تولا)… بعد أن خرجوا من الجزيرة خرجنا وعُدنا ..رغم التجريدة التي حصلت لنا… الحمد لله … وجدنا الدار دارا والخلانا خلانا .. وعُدت للمواصلات العامة …إذ أنني خلال الأسابيع التي أعقبت عودتي تحركت كثيراً داخل قرى المنطقة ووصلت مدني ..أما الخرطوم فكذا مرة ..سوق المسيد مرتين في الأسبوع من الثوابت .. باختصار لم يحدث أن أمضيت يومين متتاليين دون سفرية قصيرة كانت أم طويلة… وكلها كانت بالمواصلات العامة …والجديد فيها أن هناك الكثير من المشاوير بالاتوسات والركشات والشرائح… وأصبحت لدي الكثير من تلفونات أصحابها … بالمناسبة أصحاب الكوارو والترلات التي تجرها الحصين والحمير على التوالي لديهم تلفونات أي (أون كول) … داخل الأسرة الصغيرة هناك من يرق له هذا الأمر وأبدى تأثراً لحالة (عزيز قوم ذل)… بينما بالمقابل كنت أنا في غاية السعادة بهذا التطوّر الجديد.. ليس لأنني عدت لعالم افتقدته منذ بداية الحرب… إنما لأنني وجدت فيه راحة جسمانية ونفسية ومادية ما بعدها راحة ..وأجزم بأن ما قمت به من مشاوير لو كانت عندي عربة خاصة لما قمت بنصفه ولكانت تكلفته المادية أضعاف ما صرفته ..
(3)
لقد تأكدت الآن إن العربة والتي كانت قبل الحرب من مستلزمات بيوت الطبقة الوسطى في السودان… عبارة عن وهمة كبيرة وقد أهدرت الكثير من ثروات البلاد.. .فالدولة بدل تطوير المواصلات العامة اتجهت لشراء العربات الخاصة لموظفيها …فأصبحت أداة تحفز و تؤدب بها الموظف العام فأصبحت من الأدوات التي حطمت بها الخدمة العامة بشقيها ..وزادت استهلاك الوقود وقللت المدخرات التي كان يمكن أن تودع في البنوك لتمويل مشاريع التنمية ..حتى الآن نحن لم نتكلم عن عربات الدستوريين ذات الدفع الرباعي الغالية الثمن والتي تشفط الوقود شفطاً…لكم أن تتخيلوا أن كل الطبقة الوسطى السودانية كانت تعتمد في حلها وترحالها على المواصلات العامة ..كيف كانت ستكون هذه المواصلات ؟ وكيف كانت ستكون الطرق ؟كانت ستكون متطورة… أجزم بأن ثمن عربات الدولة ذات الدفع الرباعي ووقودها كان سوف يجعل كل السودان طرقا معبدة ..إن قطاع النقل عندما يتطوّر سوف يطور معه كافة القطاعات الأخرى من زراعية و صناعية وخدمية ..انه جوكر التنمية ..ليست السيارات وحدها… هناك الكثير من معاول الهدم كنا نتعاطاها عمداً بتصالح تام وهي كالسوس تنخر في قوة الدولة.. . كنا نعتمد على الحلول الفردية فحطّمنا بذلك نسيجنا الاجتماعي وقوة دولتنا …دعونا نستفيد مما خرّبته الحرب …والكلام هنا كتير وذو شجون ..والردمية نفر ..






