دخول الإمارات فرض نقاشاً حوله بين الخرطوم وجوبا
النفط.. معادلة توازن المصالح
مراجعة الاتفاق القائم..سؤال تفرضه المتغيّرات
دعوات لإدارة الملف بمنظور اقتصادي.. مصالح مشتركة
السفير نادر: ينبغي إعلاء مصلحة السودان وإعادة تقييم الاتفاق
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
فرضت المتغيّرات الإقليمية التي يشهدها قطاع النفط في دولة جنوب السودان، وفي مقدمتها دخول دولة الإمارات شريكاً ومستثمراً في عدد من المشروعات النفطية، فرضت نقاشاتٍ واسعةً داخل الأوساط الاقتصادية والدبلوماسية السودانية حول مستقبل اتفاقية عبور نفط دولة جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، وسط دعوات من خبراء اقتصاديين ومصادر دبلوماسية إلى ضرورة إعادة تقييم الاتفاق بما ينسجم مع التحولات الجديدة ويحفظ المصالح الاستراتيجية للسودان، ويرى مختصون أن الاتفاقية التي وُقعت في 27 سبتمبر من العام 2012م، كجزء من اتفاقية التعاون الشامل التي جرى توقيعها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا برعاية الاتحاد الأفريقي، كانت في ظروف سياسية واقتصادية مختلفة، وأن هذا الاتفاقية باتت اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة تأخذ في الاعتبار دخول شركاء جدد إلى قطاع النفط في جنوب السودان، وما يترتب على ذلك من تغير في موازين المصالح الاقتصادية والإقليمية، مع التأكيد على أن السودان يمتلك الورقة الأهم في هذه المعادلة ممثلة في خطوط الأنابيب ومحطات المعالجة وميناء التصدير على البحر الأحمر.
مصالح مشتركة
ورغم ما شهدته العلاقات السياسية بين الخرطوم وجوبا من مد وجزر خلال السنوات الماضية، ظل النفط يمثل القاسم المشترك الذي يجمع البلدين، إذ يعتمد اقتصاد دولة جنوب السودان بصورة شبه كاملة على تصدير النفط، بينما تمثل رسوم العبور والمعالجة والتخزين مورداً مهماً للخزينة السودانية، ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن أي مقاربة جديدة ينبغي ألا تقوم على منطق المكاسب الآنية، وإنما على بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد تحقق مصالح الطرفين، وتضمن استمرار تدفق النفط دون انقطاع، مع إعادة النظر في البنود المالية والفنية بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد.
شراكة الإمارات
وأعادت الاستثمارات الإماراتية في قطاع النفط بدولة جنوب السودان تشكيل المشهد الإقليمي، بعد دخول أبوظبي كشريك في عدد من مشروعات الطاقة، الأمر الذي اعتبره مراقبون متغيراً استراتيجياً يستوجب قراءة جديدة في فصول اتفاقية النفط من جانب الخرطوم، ويرى محللون اقتصاديون أن وجود مستثمر إقليمي يمتلك قدرات مالية كبيرة قد يمنح جوبا خيارات أوسع في تطوير قطاع النفط، لكنه في المقابل لا يلغي حقيقة أن تصدير الخام لا يزال يعتمد بصورة رئيسة على المنشآت السودانية، وهو ما يمنح الخرطوم موقعاً تفاوضياً مهماً إذا ما أحسنت إدارة هذا الملف وفق رؤية اقتصادية ودبلوماسية متوازنة، وتزداد أهمية هذا المتغير في ظل ما كشف عنه تقريرٌ للجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة بشأن إبرام دولة الإمارات اتفاقاً مالياً مع دولة جنوب السودان يقوم على مبدأ (النفط مقابل النقد)، بقيمة تبلغ 12.9 مليار دولار، ويمتد على مدى عشرين عاماً، من عام 2025م وحتى 2044م، وبحسب ما جاء في التقرير، فإن حكومة جنوب السودان تلتزم بسداد التمويل عبر شحنات يومية من النفط الخام، في إطار آلية تمتد لسنوات طويلة وبأسعار تقل عن الأسعار العالمية بنحو 10 دولارات للبرميل، ويرى خبراء اقتصاديون أن دخول استثمارات بهذا الحجم، إلى جانب الارتباط بعقود طويلة الأجل، يضيف بعداً جديداً إلى معادلة النفط في المنطقة، ويمنح الخرطوم مبرراً لإعادة تقييم اتفاقيات عبور النفط ورسومه بما يتواءم مع المتغيرات الاقتصادية والإقليمية، مع الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع جوبا واستمرار انسياب صادرات النفط عبر الأراضي السودانية.
اتفاقيات جديدة
وتتزايد الأصوات التي تدعو إلى أن تكون مرحلة ما بعد الحرب نقطة انطلاق لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية الخارجية للسودان، وفي مقدمتها العلاقة النفطية مع دولة جنوب السودان، بحيث تستند إلى مبدأ الشراكة المتوازنة وحماية المصالح الوطنية، ويؤكد مختصون في العلاقات الدولية أن مراجعة الاتفاقيات الدولية أمر طبيعي كلما تغيرت الظروف السياسية والاقتصادية، شريطة أن تتم عبر القنوات القانونية والدبلوماسية وبما يحافظ على استقرار المنطقة ويصون مصالح الشعبين، ويذهب السفير والخبير الدبلوماسي نادر فتح العليم إلى ضرورة أن يراجع السودان اتفاقيات مرور نفط دولة جنوب السودان عبر أراضيه، وقال السفير نادر في إفادته للكرامة إن دخول الإمارات كطرف إقليمي جديد إلى ملف النفط يفرض واقعاً مختلفاً يستدعي إعادة النظر في الاتفاقات القائمة، مبيناً أن الاتفاق النفطي السابق كان اتفاقاً ثنائياً يخدم مصالح الشعبين في دولتي السودان وجنوب السودان، إلا أن دخول طرف ثالث إلى معادلة الاستثمار النفطي يستوجب إعلاء مصلحة السودان وإعادة تقييم الاتفاق بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، مؤكداً أن السودان بعد الحرب ينبغي أن يدير علاقاته الخارجية بمنهج مختلف يقوم على حماية موارده وتعظيم مكاسبه الاقتصادية، مشيراً إلى أن دخول الإمارات كشريك حقيقي في قطاع النفط بجنوب السودان يستدعي مراجعة نسبة رسوم عبور النفط بما يعكس المتغيرات الراهنة.
استعادة هجليج
وفي المقابل، يرى خبراء عسكريون أن تعزيز الموقف التفاوضي للسودان لا يرتبط بالشق الدبلوماسي والاقتصادي وحده، وإنما يتطلب كذلك استكمال السيطرة على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وفي مقدمتها منطقة هجليج، لما تمثله من ثقل اقتصادي وجغرافي في معادلة النفط، ويؤكد هؤلاء أن استمرار وجود ميليشيا الدعم السريع في محيط هذه المنطقة الاستراتيجية يفرض على القوات المسلحة أولوية استعادة السيطرة الكاملة عليها، باعتبار أن ذلك سيعزز من أوراق القوة السودانية في أي مفاوضات مستقبلية مع دولة جنوب السودان بشأن مراجعة اتفاقيات النفط ورسوم العبور، ويشير الخبراء إلى أن امتلاك زمام المبادرة ميدانياً، إلى جانب السيطرة الكاملة على المنشآت والمناطق النفطية الحيوية، يمنح الخرطوم موقفاً تفاوضياً أكثر قوة، ويتيح لها إعادة صياغة العلاقة النفطية مع جوبا وفق معادلة تحقق المصالح الوطنية، دون الإضرار بالمصالح المشتركة بين البلدين.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. تبدو العلاقة النفطية بين دولتي السودان وجنوب السودان أمام منعطف جديد قد يفضي إلى إعادة صياغة أسس التعاون بين البلدين، فالسودان يمتلك ميزة جغرافية وبنية تحتية يصعب تجاوزها في المدى المنظور، بينما يحتاج جنوب السودان إلى شريك مستقر يضمن استمرار تدفق صادراته النفطية إلى الأسواق العالمية، ولعل المتغيرات التي فرضتها الحرب، إلى جانب دخول الإمارات كلاعب جديد في ميدان الاستثمار النفطي في جنوب السودان، يمثل فرصة أمام الخرطوم لإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والدبلوماسية، وصياغة سياسة خارجية أكثر ارتباطاً بالمصلحة الوطنية، تقوم على الندية والشراكة العادلة وحسن استثمار الموارد الاستراتيجية، وإذا ما نجحت الحكومة السودانية في إدارة هذا الملف برؤية استراتيجية تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد وحسن توظيف عناصر القوة التي تمتلكها، فإن النفط قد يتحول من ملف ظل لعقود عنواناً للخلافات والتجاذبات إلى جسر للتكامل الاقتصادي بين الخرطوم وجوبا، وبوابة لتعزيز موارد الدولة، ودعم جهود إعادة الإعمار، وترسيخ مكانة السودان كدولة قادرة على حماية مصالحها وإدارة علاقاتها الإقليمية بثقة واقتدار، بما يمهِّد لغدٍ تشرق فيه شمس التنمية والاستقرار، والنمو والتقدم والازدهار.






