حديث السبت
يوسف عبد المنان
“توت قلواك” ..عاصفة الشمال والجنوب..!
تعديلات الولاة بين العسكريين المتقاعدين وكبار السن من الضباط الإداريين؟!
(1)
منذ اندلاع حرب حميدتي في منتصف أبريل قبل ثلاثة سنوات ونصف ظل مستشار الأمن لرئيس جنوب السودان الفريق توت قلواك في عين عاصفة النقد حد التجريح من ناشطين شماليين وآخرين جنوبيين ،وقد أفلح الأخيرون في إزاحته من القصر الرئاسي في جوبا وإبعاده عن سلفاكير الذي اكتشف بعد مدة قصيرة أن إبعاد توت قلواك من القصر هي الخطوة الأولى للإطاحة برأس السلطة نفسه على غرار ماجرى للبشير في الخرطوم حينما أفلحت بلدان خليجية وعملاء لها داخل نظام المؤتمر الوطني وأجهزته الأمنية من تجريد البشير من ثلاثة رموز أي من نافع وعلى عثمان وبكري حسن صالح وقد كانوا قادرين على كبح جماح الصخرة التي تدحرجت من قمة الجبل حتى سقطت على رأس البشير.
وذات المخطط الذي دبره بول ميل في جوبا ابعد عن سلفاكير توت قلواك ودينق ألور وكول ميانق وكان منتظراً إزاحة سلفاكير الذي غشيته صحوة ماقبل الموت المعلن فقطع رأس الحية وعاد توت قلواك مستشاراً للأمن وهو بمثابة دبابة في بوابة القصر.
وقد تعرّض توت منذ بداية الحرب لتخوين من قبل ناشطين في الشمال من القوى الداعمة للجيش وتوجّس منه الكثيرين وطالته اتهامات بموالاة حميدتي ودعم مليشيا الدعم السريع ، ولكن حميدتي في آخر زيارة له لجوبا رفض لقاء توت وأشاح بوجهه بعيداً عنه وقالت أبواق المليشيا إن توت قلواك يمثل البرهان أكثر من تمثيل سلفاكير ميارديت ولكن الرجل بقلبه الكبير وابتسامته التي تكشف عن أسنان بيضاء لم يأبه كثيراً لاتهامات توجه اليه من هنا وهناك ومضى ينحت في صخرة تسد باب التفاوض بين الجيش والدعم السريع طوال السنوات التي انقضت حتى الآن.
جنوب السودان وقيادته التي خرجت من رحم القوات المسلحة السودانية لم تقف يوماً في مواجهة نفسها وتاريخها وأشواقها ،ولكن جنوب السودان ضربت الحرب عظمه وفقد مورد البترول الذي يمثل عماد اقتصاد الدولة وتدنى الإنتاج وضُربت بعض الآبار في عدارييل وجنبك واحتلت مليشيا الدعم السريع حقل هجليج النفطي وعاش جنوب السودان ظروفاً كادت أن تذهب برأس سلفاكير حيث عجزت الدولة عن توفير رواتب أساتذة الجامعات لمدة ٩ أشهر و٣ أشهر القوات النظامية التي لولا أن معظمها من مكون الحركة الشعبية لسقطت حكومة سلفاكير ووجدت طوق النجاة ومن يقدم لها رواتب العمال والجنود وينثر لها المال لسد حاجتها ولكن الممول الخليجي فرض شروطه على جوبا المسكينة وهو الذي فرض شروطه على تشاد وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا ودولاً أخرى، وتوت قلواك لم يبدّل مع الآخرين لكنه تماهى مع المتماهين ريثما تهدأ عواصف الاستوائية، وارتضت دولة الجنوب على مضض المضي في دروب الإمارات وحمدوك وحميدتي الذي حينما يحل في فندق براميدز في جوبا الذي يملكه رجل أعمال إريتري يتوافد على أبواب الفندق الساسة من الشمال والجنوب كل يمد يده طمعاً في دولارات الرجل الخضراء التي يصعب احصائها، ودولة الجنوب يقتلها الفقر والمرض والجوع والسودان لايملك مايقدمه لحليف وأخ أرغمته ظروفه للمضي في المشروع المعادي للسودان ، ولكن في تلك الأيام الكوالح ظل توت قلواك متواصلاً مع قادة المجلس السيادي خاصة صديقه شمس الدين كباشي وقائده البرهان ومهندس علاقاته الشاذلي عبدالمجيد وهذه الشخصية الأخيرة تلعب أدواراً في الظلام لردم أيّة هوة بين الخرطوم وجوبا وشكل تواصله مع توت قلواك عاملاً مهماً في خيوط التواصل بين البلدين رغم العواصف التي تهب على خيمة توت قلواك في جوبا ومن الخرطوم.
(2)
الدعوة التي قدّمها توت نيابة عن الرئيس سلفاكير ميارديت لزيارة الفريق البرهان إلى جوبا تمثل بادرة وسانحة لتفاهم ثنائي بين الرئيسين وليت البرهان خالف طبيعة نظامه وقاد وفداً كبيراً مثل فيه أعضاء حكومته من وزراء الطاقة والأمن والفريق حامد منان مسؤل ملف أبيي وصحافيين وكتاب ومطربين ومطربات وفيصل أحمد سعد كبسور وجمال فرفور ورئيس نادي الهلال ورجال الأعمال الكاردينال وأسامة داؤود وامتدت زيارته لجوبا ثلاثة أيام لعب خلالها الهلال مباراة مع الملكية جوبا وغني جمال فرفور وندى القلعة في مركز ناكوري وذلك لإحياء علاقة تاريخة لشعب واحد قسمته السياسية لدولتين ، وقد خسر السودان السوق الجنوبي لصالح يوغندا التي تمد جنوب السودان بالطماطم والفجل والعجور والدجاج والبيض مثل العاصمة القطرية الدوحة التي تأكل خضارها من منتجات كمبالا وعلاقة السودان بجنوبه لاينبغي أن تترك ليقرر فيها أهل السلطة وحدهم نحن شعب واحد بثقافة واحدة فرقتنا السياسية من غير إرادتنا والآن حينما يهاجم البعض توت قلواك وسلفا من الشماليين ويصبح أمثال كريستوفر الصحافي نتن العبارة هو من يقرّر في مصير مثل هذه العلاقة ويحرّض البسطاء من الجنوبيين للإساءة للشمال فإننا نترك علاقة مثل علاقتنا مع الجنوب ليقرر فيها نيابة عنا من هم يعملون ليل نهار لتخريب ماشيّده الآباء بتواصل وتمازج دم ورحم ووشائج قربى ولغة مشتركة وعقيدة ولاتبدوا مثل هذه الجهود التي يقودها توت إلا نسج لثوب كاد أن يهتري ويتمزّق فهل يصغي البرهان لأصوات العقل في السودان ويقبل على سلفاكير وهو يردّد:
إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها
تذكّرت القربى ففاضت دموعها
(3)
اتخذ الفريق البرهان الأسبوع الماضي قرارات بتعيين ولاة عسكريين من كبار السن أحدهم متقاعد من الشرطة والياً على جنوب كردفان وآخر من دفعة البرهان والياً على غرب كردفان وكلاهما جلسا في الظل لسنوات وسنوات وفجأة هبّت رياح السلطة وجاءت إليهم تسعى وهما في خريف العمر ،ولاية جنوب كردفان منقسمة من غير إرادتها إلى محليات غربية الدلنج وكادوقلي تحت سيطرة الجيش ويفصل بينها والمحليات الشرقية محليات دلامي وهيبان وأم دورين والقوز وكلها محليات تقع تحت قبضة المليشيا وأخرى تحت قبضة حركة الحلو ،ولم يعد شرق الولاية على صلة بغربها إلا من خلال عبور ولاية ثالثة هي شمال كردفان ولاية ذلك حالها أما أن يقيم الوالي في أبوجبيهة حيث الاستقرار وأموال الذهب وأما أن يصبح والياً جوالاً وهذه تحتاج لطاقة لامكان لها عند الوالي الحالي الذي أرهقته سنوات المعاش ،أما غرب كردفان التي تقع جميعها تحت قبضة المليشيا فكانت تنتظر والياً شاباً قادر على الحركة وحشد الشباب والتنسيق مع القوات المتقدّمة في أم صميمة والخوي حتى تعود النهود قبل انقضاء الخريف الحالي ولكن جاءت اختيارات الولاة من كبار السن شأنهم والضباط الإداريين في بعض الولايات ممن تقاعدوا عن الخدمة منذ سنوات وهم في خريف العمر بلا عطاء وبلا حماس، ولا شعور بما يحدث في البلاد التي هي أكثر حاجة للطاقات حتى شباب الضباط الإداريين بدلاً من الكهول والشيوخ ، والأحداث من حولنا مسرعة ،فمتى يضع البرهان ثقته في شباب صغار السن حتى من ضباط المعاشات كان يمكنه تعيين لواءات مثل اللواء قنديل الذي ترك أثراً وسمعة في الأبيض والياً بدلاً من الإصرار على والي اجمع كل أهل شمال كردفان على فشله إلا حفنة من الركع بأبواب السلاطين ،فهل يبقى البرهان على الوالي في الأبيض رغم إجماع الجميع على فشله؟!.






