لا هدنة ولا تفاوض يعيد إنتاج المليشيا الجيش.. “كسح ومسح”

لا هدنة ولا تفاوض يعيد إنتاج المليشيا

الجيش.. “كسح ومسح”

حديث الميدان هو اللغة السائدة.. إرادة الشعب

انتصارات القوات المسلحة.. فرض السيادة الوطنية

رفض واسع لأي ترتيبات تعطّل العمليات.. أُسس جديدة

تقرير: محمد جمال قندول

الشاخص لمجريات المشهد العسكري بالبلاد يلمس بوضوح أن القوات المسلحة تمضي لدحر التمرد بشكل كامل.
وعلى ضوء الانتصارات الكاسحة للجيش والقوات المساندة، يلحظ بوضوح أن حديث الميدان هو اللغة السائدة، إذ لا هدنة تعطل التقدم، ولا تفاوض يمنح المليشيا فرصة جديدة للبقاء بعد ما ارتكبته من جرائم وانتهاكات غير مسبوقة، وهو ما ظل يؤكده رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان والقيادات العسكرية.
قراءات
ويرى العميد الدكتور جمال الشهيد، الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية، أن ما تشهده مسارح العمليات في السودان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سلسلة من الانتصارات التكتيكية، وإنما يمثل تحولاً تدريجياً في إدارة الحرب، وانتقالاً من مرحلة احتواء التهديد إلى مرحلة فرض الإرادة العسكرية، وهي مرحلة تسعى فيها الجيوش إلى استثمار التفوق الميداني لإحداث تغيير مؤثر في ميزان القوى قبل الانتقال إلى أي استحقاقات سياسية.
ويؤكد الشهيد أن العقيدة العسكرية في معظم جيوش العالم تقوم على مبدأ أساسي يتمثل في أن المبادرة العملياتية إذا انتقلت إلى يد إحدى القوى، فإن المحافظة عليها تصبح هدفاً لا يقل أهمية عن تحقيق الانتصار نفسه، لأن أي تباطؤ في استثمار هذا الزخم قد يمنح المليشيا فرصة لإعادة تنظيم قواتها، وإعادة بناء قدراتها، واستعادة قدر من التوازن، بما يطيل أمد الصراع ويزيد من كلفته العسكرية والإنسانية.

ويضيف الشهيد أن الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بحجم القوات أو كثافة النيران، وإنما تُحسم بقدرة القيادة على إدارة الزمن العسكري. فالوقت في العمليات القتالية يعد مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السلاح أو الأفراد، ولذلك فإن أي توقف للعمليات يجب أن يخضع لحسابات دقيقة تراعي آثاره العسكرية والسياسية والإنسانية، وأن يستند إلى ضمانات قابلة للتنفيذ، حتى لا يتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج الصراع.

ويرى العميد الدكتور جمال الشهيد أن العلاقة بين الميدان والسياسة علاقة عضوية، إذ إن نتائج العمليات العسكرية غالباً ما تؤثر في طبيعة المواقف التفاوضية للأطراف، كما تؤثر في حسابات القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في جهود الوساطة. ومن ثم، فإن أي عملية سياسية تكون أكثر قابلية للاستمرار عندما تستند إلى واقع ميداني واضح، وإلى التزام فعلي من الأطراف، بما يقلل من احتمالات انهيار التفاهمات أو العودة إلى القتال.
ويشير الشهيد إلى أن التجارب الدولية أظهرت أن اتفاقات وقف إطلاق النار تحقق أفضل فرص النجاح عندما تكون جزءاً من مسار سياسي متكامل وآليات رقابة فعالة، أما إذا جاءت في ظل غياب الثقة أو دون ترتيبات تنفيذية واضحة، فإنها تواجه تحديات كبيرة، وقد تصبح مجرد هدنة مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
وفي نهاية حديثه، يؤكد العميد الدكتور جمال الشهيد أن المرحلة الراهنة تمثل نقطة مفصلية في مسار الصراع، وأن إدارة التوازن بين استثمار التطورات الميدانية وتهيئة الظروف لحل سياسي مستدام ستكون من أهم التحديات في الفترة المقبلة. فنجاح أي مسار مستقبلي لن يقاس فقط بما يتحقق على الأرض، وإنما أيضاً بقدرته على إنهاء الصراع، وحماية مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للسودان وشعبه.

تحول
يشير الخبير العسكري والأمني العميد د. أسامة محمد عبد الرحيم، إلى أن التطورات العسكرية التي شهدها السودان خلال الأيام الماضية تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الحرب. فما تحقق في شمال كردفان، من استعادة عدد من المدن والمناطق الاستراتيجية وفتح طريق الصادرات بين أم درمان والأبيض بعد انقطاع استمر نحو ثلاثة أعوام، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تقدم ميداني محدود، وإنما هو تطور يعكس انتقال القوات المسلحة إلى مرحلة جديدة في إدارة العمليات.

ومن وجهة نظر د. أسامة، فإن أهمية هذه الإنجازات لا تكمن فقط في استعادة الأرض، وإنما في استعادة زمام المبادأة العملياتية، فمنذ فترة، أصبحت القوات المسلحة تتحرك من موقع الفعل، وليس رد الفعل، وهو تحول ينعكس على طبيعة العمليات وعلى الخطاب العسكري الذي بات أكثر ثقة في تحقيق أهدافه.
ويرى أن أي حديث عن هدنة في هذه المرحلة يثير كثيراً من التحفظات، لأن التجارب السابقة أثبتت أن فترات وقف إطلاق النار استُغلت في أكثر من مرة لإعادة تنظيم الصفوف، واستقدام الإمدادات، وإعادة التموضع، قبل العودة إلى القتال. ولذلك فإن هناك قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن استمرار الضغط العسكري هو الضمان الحقيقي للحفاظ على المكاسب التي تحققت على الأرض.
كما أن الانتصارات الأخيرة رفعت الروح المعنوية لدى المواطنين، وعززت الثقة في قدرة القوات المسلحة على استكمال عملياتها. وفي المقابل، تواجه المليشيا تحديات متزايدة تتمثل في فقدان مناطق كانت تسيطر عليها، وتراجع قدرتها على المناورة، فضلاً عن الضغوط اللوجستية الناتجة عن انقطاع عدد من خطوط الإمداد.
وفي تقدير الخبير الأمني د. أسامة، فإن ما يجري الآن ليس معارك منفصلة، وإنما جزء من خطة عملياتية أشمل تستهدف استكمال السيطرة على إقليم كردفان، بما يمهد للانتقال إلى مراحل لاحقة في دارفور. وهذا ما يفسر التصريحات العسكرية الأخيرة التي تحدثت عن استمرار الزحف، والدفع بموجات متتابعة من القوات حتى إنجاز كامل المهام المعلنة.
كذلك لا ينبغي إغفال أن تحسن الوضع الميداني انعكس على البيئة العملياتية بصورة عامة، فعودة بعض الطرق القومية إلى الخدمة وتحسن خطوط الإمداد يمنحان القوات المسلحة مرونة أكبر في الحركة والإسناد، ويقيدان، في الوقت نفسه، قدرة المليشيا على الانتشار والمناورة.
أما على المستوى السياسي، يعتقد د. أسامة، أن قضية الهدنة والتفاوض أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالواقع الميداني. فهناك من يرى أن أي عملية تفاوض يجب أن تقوم على أسس جديدة تضمن عدم تكرار تجارب الماضي، وألا تتحول إلى فرصة تمنح المليشيا الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية، خاصة بعد ما خلفته الحرب من خسائر إنسانية واقتصادية جسيمة.
يُكمل، وفي تقديري، فإن أي تسوية سياسية قابلة للاستمرار تحتاج أولاً إلى واقع أمني مستقر، وإلى مؤسسات دولة قادرة على تنفيذ الالتزامات وفرضها، لأن الاتفاقات التي تُبنى في ظل اختلال موازين القوة غالباً ما تكون عرضة للانهيار.
كما أن استعادة المدن والطرق القومية ليست مكسباً عسكرياً فقط، وإنما تمثل خطوة أساسية نحو إعادة دوران عجلة الاقتصاد، وتأمين حركة التجارة والنقل، وتسهيل وصول الخدمات والمساعدات، بما يعيد للدولة جزءاً مهماً من وظائفها الطبيعية.
وختم محدّثي، أرى أن الرسالة التي يبعث بها الميدان اليوم واضحة، وهي أن القوات المسلحة تسعى إلى استثمار الزخم العسكري والمحافظة على وتيرة التقدم، مع وجود رفض واسع لأي ترتيبات قد تؤدي إلى تعطيل العمليات أو تمنح المليشيا فرصة جديدة لإعادة تنظيم صفوفها. ومن ثم، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المكاسب ستتحول إلى نقطة فاصلة في مسار الحرب، وتمهد لمرحلة جديدة على المستويين العسكري والسياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top