بعد حريق “كيبل” سد مروي قطوعات الكهرباء ..تساؤلات مشروعة

بعد حريق “كيبل” سد مروي

قطوعات الكهرباء ..تساؤلات مشروعة

مابين الفشل والتخريب المتعمّد ..اتهامات

إظلام تام في “4” ولايات..شكاوى المواطنين

بيانان للوزارة .. محاولات المعالجة والتطمين

خبير : القطوعات وغياب الخدمات تهديد للعودة الطوعية

تقرير: هبة محمود

حالة من السخط الشعبي تسود الشارع بالسودان، إزاء أكثر الملفات تعقيداً، وهو ملف الكهرباء. ففي الوقت الذي مازالت تتعالى فيه الأصوات بشأن إنقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في عدد من المناطق و المدن تصل في أحيان كثيرة إلى 12 و18 ساعة، تسبب حريق بمحطة توليد كهرباء سد مروي، أمس الأول، في تلف كبير بالمغذيات الرئيسية لخطوط النقل (مروي – المرخيات، ومروي – عطبرة)، ما أدى بدوره إلى إدخال 4 ولايات ( الخرطوم ـ نهر النيل ـ البحر الأحمر ـ الشمالية) في حالة من البلاك أوت.
وفيما ذهبت التوقعات إلى سرعة التعامل مع الحريق وإعادة التيار الكهربائي إلى الولايات المتضررة، أكدت وزارة الطاقة في بيان لها، أمس أن صيانة العطل تحتاج لعدة أيام قبل عودة التيار الكهربائي.
وتشهد هذه الولايات المتضررة ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة، تخفف من حدتها عدد الساعات القليلة للتيار الكهربائي، الأمر الذي دفع كثيرون إلى اللجوء إلى منظومات الطاقة الشمسية، فيما ظلت البقية الباقية في إنتظار عودة التيار.
وشكا مواطنون لـ” الكرامة ” من تأثير القطوعات على حياتهم اليومية وخدماتهم الأساسية، في ظل استمرار الأزمة وارتفاع درجات الحرارة، منتقدين الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع ملف الأزمة.
اثار ممتدة
واعتبر مراقبون أن التعامل مع ملف الكهرباء من قبل الجهاز التنفيذي يحتاج إلى وقفة، حيث وضعت أصابع الاتهام وزارة الطاقة وشركة الكهرباء بين خياري الفشل أو التخربب المتعمد.
ولم يتوقف تأثير العطل والانقطاع المتكررة للتيار الكهربائي حد مشكلة الكهرباء نفسها، لكنه امتد إلى إحداث عجز في محطات المياه، إذ تشهد ولاية الخرطوم ظروفا قاسية بسبب انعدام خدمات مياه الشرب كذلك.
و في اجتماع طارئ برئاسة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أمس، أصدر توجيهات بتدابير لتشغيل محطات المياه بالوقود عقب إنقطاع التيار الكهربائي، مؤكدا أن الولاية تتكفل بتوفير الوقود لـ 13 محطة نيلية تعمل 14 ساعة يومياً على أن تقوم المحليات بتوفير الوقود للآبار.
ووجه الاجتماع كذلك هيئة مياه الولاية بالعمل بأقصى طاقتها وغرفة عمليات الولاية بمتابعة الوضع ميدانيا مع المحليات.
مهددات العودة
وفيما ينظر متابعين إلى أن انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة تصل إلى 12 و 18 ساعة في اليوم يعتبر من أكبر مهددات العودة الطوعية، يعتبر بالمقابل كثيرون أن ثمة اياد تعبث في هذا الملف من أجل زعزعة المواطن السوداني.
ويشير مراقبين إلى أن هذه العمليات التخريبية بدأت بالتزامن مع إنطلاق برامج العودة الطوعية للاجئين و النازحين لمساكنهم وتعافي البلاد والاقتصاد السوداني، لافتين إلى وجود متورطون في هذه الهجمات المنظمة على البني التحتية للكهرباء.
ورغم التوضيح الذي دفعت به وزارة الطاقة، إلا أن ذلك لم يعفيها من تحمل المسؤولية، إذ أكدت أن الفحص الفني بيّن أن صيانة العطل تحتاج لعدة أيام قبل عودة التيار الكهربائي إلى الولايات المتأثرة بالقطوعات.
وأشار البيان إلى أن وزير الطاقة المهندس المستشار المعتصم إبراهيم أحمد وصل مباشرة عقب الحادث إلى سد مروي لمتابعة أعمال الصيانة بحضور اللجنة الأمنية بالولاية، حيث وجّه باتخاذ القرارات اللازمة لاستعادة التيار وتوفير قطع الغيار لإصلاح العطل الكبير.
كما وجّه الوزير بتوفير تغذيات بديلة من المحطات الأخرى وربط الشبكات لإدارة المتاح من الطاقة الكهربائية بكفاءة وعدالة، فيما تجري حالياً التحقيقات لمعرفة أسباب الحريق.
إحتمالات
وفي السياق اعتبر الصحفي ضياء الدين بلال إن ما يحدث في ملف الكهرباء لا يخرج عن أحد احتمالين، إما ضعف في كفاءة الإدارة وعجز عن معالجة الأزمة، أو وجود أصابع متآمرة تعبث بالمرفق الحيوي لم تُكشف بعد ولم تصل إليها العين الراصدة واليد الحازمة التي تردعها وتحاسبها.
وتشير أصابع الاتهام إلى تحالف قوى الحرية والتغيير داخل مؤسسات الدولة، إذ ينظر الصحفي عبد الماجد عبد الحميد إلى أن الأصابع التي ارتكبت أخطر وأسوأ مجزرة في قطاع الكهرباء بالسودان لا تزال تمسك بمفاصل القطاع السيادي في الكهرباء، مشيراً إلى وجود رئيس لجنة إزالة التمكين وأحد أبرز رموز (قحت) في قطاع الكهرباء.
وأكد عبد الماجد أن اقالة وزير الطاقة وحدها لا تكفي بحد تعبيره.
عجز الطلب
ويرى بدوره الخبير الاقتصادي د.هيثم فتحي أنه ومع تشغيل المحطات التي تعمل ولم تطالها عبث المليشيا بالمسيرات بدأت تظهر أعطال بنمط متشابه في كثير من المحطات التحويلية وكذا عمليات حرائق منتظمة.
وأكد في إفادته لـ” الكرامة ” أن هذه العمليات تهدف للتأثير في مزاج العائدين، و تعميم الفوضى والتذمر واليأس في البلاد، وجعل هم المواطن الأول هو التفكير في قضايا الحياة يومية كشح الكهرباء، بحيث تختلط الأوراق لديه، كما أنه يتم أيضا إيصال رسالة مفادها، أن الوضع البائس في السودان سيما الخدمات، سيبقى كما هو لا بل ويزداد تخلفا وتدهوراً.
لكنه عاد وأكد أن كل هذا لا ينفي ان هناك عجزاً في الطلب علي الكهرباء في السودان حيث أن إجمالي السعة التصميمية لمحطات توليد الكهرباء داخل شبكة الكهرباء في السودان يبلغ نحو 3 آلاف ميغاواط، إلّا أن إجمالي إنتاجها لا يتجاوز 2.510 ألف ميغاواط، في حين يتجاوز الطلب الحالي 3.1 ألف ميغاواط، مما يعني وجود عجز يتجاوز ألف ميغاواط. مع مشاكل قديمة متراكمة لقطاع الكهرباء والمياه في السودان.
واوضح أن الشبكة القومية تعاني من عدم الاستقرار وعجز واضح عن تلبية الطلب المتزايد، وهو ما تسبب في انقطاعات طويلة ومتكررة في معظم ولايات السودان.
فالضغط الكبير على المحولات المتبقية، إلى جانب توسعة خطوط الإمداد لتغطية مناطق جديدة، فاقم من الأزمة الحالية، حيث تعمل الشبكة فوق طاقتها دون صيانة كافية.
شريان حياة
طريقة تعاطي الجهاز التنفيذي وتماطل الدولة في حل الأزمة كان أحد أهم النقاط التي يقف عندها الشعب السوداني.
فقد أعتبر مواطنون تحدثوا لـ” الكرامة ” أن الدولة لا تتعاطى مع الملف باعتباره شريان حياة، الأمر الذي يجعلها تسارع في إيجاد حلول سريعة في ظل الأوضاع التي يعيشونها وارتفاع درجات الحرارة.
وبحسب المواطن خالد محمود فإن الأمر فاق حدود صبرهم الأمر الذي جعله يفكر في العودة مجددا إلى خارج البلاد.
ويرى في إفادته لـ ” الكرامة ” أن ما يحدث يتعارض ودعوات العودة الطوعية التي استجاب لها ، ليجد أن حياته توقفت ومشاريعه تعطلت بسبب قطوعات الكهرباء المتواصلة والمياه.
الإشكال الحقيقي
في ذات المنحى يرى الخبير الإقتصادي إبراهيم شقلاوي إن قطوعات الكهرباء الحالية تشير إلى تعقيدات فنية وتشغيلية تواجه قطاع الكهرباء متأثرة بتداعيات الحرب، كذلك، تتعرض الشبكة أحيانًا لأعطال طارئة نتيجة الأحمال العالية أو تلف مكونات محطات التوليد وخطوط النقل، إلى جانب تحديات الصيانة وتوفير قطع الغيار.
وقال في حديثه لـ الكرامة إن الوزارة شرعت في تنفيذ إجراءات عاجلة، بحسب بيانها بعد توضيح الأسباب، شملت متابعة أعمال الصيانة ميدانياً، وتوفير قطع الغيار، إلى جانب تشغيل تغذيات بديلة وربط الشبكات لإدارة الطاقة المتاحة بكفاءة وعدالة حتى استعادة الإمداد بصورة كاملة.
ولفت إلى أن مثل هذه الإجراءات تعد جزءًا من آليات التعامل الفنية المتبعة في مثل هذه الأعطال، والتي تقوم على عزل موقع الخلل، وتأمين الشبكة، ثم إعادة الخدمة تدريجياً وفقاً للجاهزية الفنية.
أما بشأن الاتهامات المتداولة بوجود طرف آخر داخل القطاع يقف وراء الأعطال، فيرى شقلاوي إن التعامل المهني مع هذه المزاعم يقتضي انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، فالبيان الصادر عن وزارة الطاقة أكد أن التحقيقات ما زالت جارية لمعرفة أسباب الحريق، ولم ينسب المسؤولية إلى أي جهة.
واضاف: لذلك، فإن ترجيح أي فرضية قبل اكتمال التحقيقات يظل غير مستند إلى أدلة معلنة، بينما تبقى الشفافية في إعلان النتائج وتعزيز الصيانة الوقائية وتطوير البنية التحتية عوامل أساسية لاستعادة ثقة المواطنين وضمان استقرار الإمداد الكهربائي.
ونوه إلى أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كيفية إدارة الأعطال، وإنما في غياب الحلول الجذرية لقطاع الكهرباء في مرحلة إعادة الإعمار.
لافتاً إلى أن ظروف ما بعد الحرب تفرض تبني حلول غير تقليدية، من بينها الاستعانة ببيوت الخبرة العالمية وتمويل مشروعات الكهرباء عبر نظام ال (BOT)، بما يتيح إعادة تأهيل البنية التحتية دون تحميل الدولة أعباء مالية مباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top