داليا الياس تكتب : عقار الرضا

اندياح

داليا الياس

عقار الرضا

رقدت أمي لها الرحمة يوماً طريحة الفراش الأبيض إثر جلطة دماغية مباغتة وتوقّفت الحياة فى حياتنا !!.
كانت تمارس عادتها اليومية في السخرية من الحياة وهي بجوارنا في السيارة في طريق عودتنا من مناسبة عائلية .
وفجأة ودون أي مقدّمات تبدّلت ملامح صوتها فبات كأنه يخرج من جب عميق…أو كأنه صوت مغنٍ بائس يأتي من أسطوانة مشروخة.
وحين إلتفتنا نحوها مستفسرين وجدنا وجهها بملامح جديدة متداخلة كأن رساماً ناشئاً إجتهد فى رسمه فلم تكن العين في مكانها ولا الفم فى مكانه.
رحمة الله وحدها ألهمتنا الثبات حتى بلغنا غرفة الطوارئ فى ذلك المشفى التجاري الفخيم القادر وحده على توفير الحد المطلوب من الإستشفاء الكريم في بلادي العاجزة ولو على حساب جيوبنا المنهكة.
ولست اليوم بصدد الحديث عن مآسى العلاج والصحة في بلادى…ولا بصدد التذمر والشكوى ورفع الملاحظات والتوجيهات للمعنيين فى العهد الجديد فهذا أمر معروف ومتفق عليه وينتظر فقط الإجراء الحاسم والتغيير الجذري.
ولكنى أتحدث عن الأبعاد الإنسانية لشعورك القاتل بالعجز أمام تداعي الجدار البشري الذي ظللت تتكئ عليه طوال حياتك دون أن تملك من أمر إنقاذه شيئاً سوى بذل الدعوات الصادقة من بين ركام الدموع المالحة التي تصبح لوهلة جزءًا أصيلاً من تكوينك البصري ولا تبارح ميناء عينيك.
وأعتقد أن الإجتهاد فى تفسير معنى الأمومة وقيمة الأم في حياة كل منا أمر عسير وشائك …فالأمر متفق عليه، بيد أن التعبير عنه يختلف من شخص لآخر بحسب رؤية كل منا وقدرته على التعبير،والشاهد أن كل واحد يعتقد جازماً أن أمه هى الأفضل والأكمل والأمثل والأروع والأهم فى تاريخ الحياة البشرية قاطبة.
وبعيداً عن مكانتها المقدسة في الشرع والعرف الإجتماعي تظل الأم بأعماقنا ذلك السر الحميم والمأوى الرحيم الذي نحمله في تجويف روحنا المنهكة وننتقل به من مكان إلى مكان ونركن إليه ونلوذ به أينما إستقر بنا المقام.
تظل هى السند والسكن والأمان المطلق مهما باعدت بيننا المسافات وكلما حملتنا تصاريف الحياة بعيداً.
ويظل المرء منا على توازنه وصموده بوجه الحياة حتى إذا ما فقد أمه إختل كل ذلك وشارف على الإنهيار مالم يتشبث بالإيمان والرضا.
وقد علمتني التجربة الأخيرة المريرة التي عشناها مع تقلب أمي على فراش المرض لسنوات بدايةً بإصابتها بالجلطة مروراً بضيق الشرايين وصولاً للذبحة الصدرية وقبلهما سرطان الثدي اللعين أن الهمة العالية والرضا هما اللقاح السحري لمكافحة كافة الأمراض المستعصية والمزمنة وحتى القاتلة.
فقد كانت أمي دائماً ( تحاحي) جزعنا عليها بابتسامة واسعة وإذعان أكثر إتساعاً لمشيئة الله….وتظل تعاتبنا وترفد قلوبنا بالصبر والجلد وكأننا أصحاب المصاب الجلل.
كانت ولا تزال على عهد إيمانها وإحتسابها لايناوشها هلع ولا يجزع لها قلب عند المصائب والمحن بل تتلقاها بكل أريحية وبساطة وهى فى تمام تهكمها وسخريتها من الحياة تطلق الضحكات وتتجاذب مع كل من يعاودها أطراف الحديث والقفشات.
وأظل أنا الهلوعة الوجلة أرجو الله بقلب صادق أن يكفيني شر العجز أمام آلام أمي….ويعينني على إقتباس بعض ضوء من قنديل روحها لأضئ عتمة قلبي الموبوء بالغبن والحسرة والهموم.
هذا …والشكر بعد الله للطاقم الطبى والأصدقاء والمحبين الذين قاومنا بهم رياح الفاجعة وكانوا جداراً شامخاً أمّن لنا مايلزمنا من ظل وريف وسند قوي وكانوا خير معين بالدعوات الصالحات والعطاء الكريم.
وشكراً يا أمي لأنك أمي….ولأنك قارئتىدي الأولى وصديقتي الصدوقة التي أتكئ عليها كلما مال الزمن…وأرجو أن تسامحيني على كل الأفاعيل والحماقات الصغيرة التي إرتبكتها في حياتي ودفعتي ثمنها قلقاً ووجعاً وهماً وسهر.
*تلويح:
ثم رحلت أمي بذات الوقار والرضا…وأسلمتني لليُتم والخوف والضياع…لم يتبق منها سوى ذكريات عديدة… تعلمنا ماهية الحياة.
اللهم إجعل الفردوس مقامها.
د(اليا)س

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top