للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
مع وفد (الكرامة ) داخل القيادة
وصلت أول امس الأحد مع وفد صحيفة الكرامة إلى القيادة العامة للقوات المسلحة في زيارة طال انتظارها، زيارة تتخطى حدود الزمن والمكان لتصبح شهادة حية على صمود لا مثيل له، صمود رجال آمنوا بوطنهم وعاهدوا أنفسهم على أن يظلوا شامخين، لا تزعزعهم الظروف، مهما كانت القسوة، وصلنا في تلك اللحظات التي كانت تحمل في طياتها تحديات حقيقية، إذ لم تكن الرحلة إلى القيادة العامة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت بمثابة اختبار لإرادتنا وقرارنا بأن نكون، كصحفيين، جزءاً من هذا المشهد التاريخي العظيم.
وصلت قافلتنا إلى وجهتها بعد رحلة محفوفة بالخطر، وإذا بنا نلتقي برجال لم يكن خوفهم إلا من الله، وهم في مواضعهم في القيادة العامة، التي لطالما كانت حصناً منيعاً ضد كل التحديات، كان الاستقبال في القيادة العامة مهيباً، وكان الرجال الذين التقيناهم هناك هم تجسيد حقيقي لشجاعةٍ لا تعرف الحدود ،رجال ارتسمت على وجوههم آثار الحرب، لكن في عيونهم كان هناك شيء مختلف، شيء من الطمأنينة والسلام الداخلي، وكأنهم كانوا يعلمون أن الصمود في القيادة ليس مجرد واجب، بل هو جزء من روحهم، وجزء من كرامتهم.
في تلك اللحظات التي اجتمعنا فيها مع قادة الجيش، كان حديثهم ينساب كمياه النهر العذب، معبراً عن شجاعة، وفاء، وإيمان عميق بوطنهم ،كان اللقاء مع الفريق أول محمد عثمان الحسين، رئيس هيئة الأركان، ومع الفريق ركن خالد عابدين الشامي، نائب العمليات، ومع الفريق ركن محمد علي أحمد صبير، رئيس هيئة الاستخبارات، والعميد ركن نبيل عبدالله، الناطق الرسمي باسم الجيش، هو حديث من قلب المعركة، حديث عن التضحية والصبر، وعن الأيام التي صمد فيها الجيش في وجه حصار طويل دام أكثر من 21 شهراً. كل واحد منهم كان يروي لنا، دون مبالغة، قصصاً عن الشجاعة في أوقات الحرمان، عن كيف تحدى الجنود العطش والجوع والمرض، وكيف كانت القيادة العامة محاصرة، لكن أرواحهم كانت حرة، لا يمكن أن تمسها أي يد غاشمة.
تحدثوا عن أولئك الجنود الذين ظلوا صامدين في الخنادق رغم قلة الطعام والشراب، وذكروا كيف أن الجيش تمكن من الصمود في وجه المليشيا حتى وصلت الإمدادات من جيشي أم درمان والإشارة، وأن الحياة في القيادة العامة، رغم قسوتها، كانت مليئة بالعزيمة والإيمان بأن النصر آتٍ لا محالة ،سمعنا عن ضباط وجنود الحرس الرئاسي الذين تصدوا بكل شجاعة لمحاولات المليشيا السيطرة على القيادة في الساعات الأولى للحرب، وكيف كان الجيش ، بكل قواته، مستعداً للدفاع عن كل شبر من تراب الوطن، مهما كانت التكلفة.
كما سمعنا، بقلوب مليئة بالاعتزاز، عن التضحيات العظيمة التي قدمها أفراد الجيش، رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، من مختلف الأصول والطبقات، الذين اجتمعوا في صف واحد للدفاع عن سودانهم، هناك، في تلك القيادة، صادفنا صوراً حية لرجال لا تهزهم ريح، رجال احتفظوا بقيمتهم، ورفعوا اسم السودان عالياً في السماء. أدهشتنا روحهم القتالية العالية، رغم حصارهم لمايقارب العامين ، ورغم النقص الكبير في الإمكانيات، هؤلاء الرجال كانوا حراساً لللكرامة، ولم يكن لهم سوى أن يواصلوا المعركة حتى آخر رمق.
ولا يمكن للمرء أن ينسى المواقف التي عبر خلالها القادة العسكريون عن تقديرهم لدور الصحافة الوطنية في مساندة الجيش، فقد أشاد الفريق خالد عابدين الشامي، نائب العمليات، بالدور الذي لعبته صحيفة الكرامة في إمداد الجيش بالدعم الإعلامي والمعنوي طوال هذه الفترة الصعبة، تحدث الشامي عن رئيس تحرير الصحيفة، الأستاذ محمد عبدالقادر، الذي حضر إلى القيادة العامة رغم مرضه وجرحه النازف في قدمه، وقال إن الصحافة الوطنية كانت بمثابة السند الحقيقي للجيش في هذه المعركة المصيرية، وأن الصحافة كانت، وستظل، حليفاً لا غنى عنه في سبيل نشر الحقائق وإبقاء الشعلة مشتعلة في قلب الوطن.
لم يكن هذا اللقاء مجرد تبادل للحديث، بل كان لقاءً تاريخياً يسجل لحظة فارقة في تاريخ الصحافة السودانية. كانت صحيفة الكرامة ولا تزال أحد المنابر الإعلامية التي تسلط الضوء على تضحيات الجيش، وتمنح الأمل لكل سوداني بأن النصر قريب، وأن الوطن سيظل واقفاً على قدميه مهما كانت التحديات. وكلما اجتمعنا مع أولئك الرجال العظام في القيادة العامة، كلما اقتنعنا أكثر بأن السودان لا يزال يمتلك ما يكفي من القوة والصمود.






