منى أبوزيد
*هناك فرق – الغربة كشرط إبداعي..!*
*”لن تطفئ الغربة جرحاً” .. محمد حسن علوان..!*
“الغربة جميلة” بهذا أجابت أحلام مستغانمي على سؤال عن تعايشها مع غربتها المبكرة. قالت “في البداية كانت تخيفني الغربة لكني اكتشفت أنها شرط إبداعي يحتاج إليه الكاتب مثلما يحتاج الحب الرؤيا، يحتاج البعد عن الأوطان، يحتاج إلى مسافة كي يتأملها جديداً..!
فالغربة مثل قفص الزوجية، من بالخارج يحلم بالدخول ومن بالداخل يحلم بالخروج، ولا أحد يستطيع أن يقنع الآخر بأنه على صواب، لكنها – أي الغربة – جميلة، وليس من تناقض على أية حال ..!
التمزُّق الدائم بين الحاجة إلى الوطن والاحتياج إلى الغربة هو قدر المغتربين في الأرض، والتنازع الدائم بين متاح الوطن وممكن الغربة هو ذلك الوجع المقيم الذي يطلق عليه بعض علماء النفس في حذلقة “اضطراب الحنين إلى الوطن”..!
من داخل الغربة نقشت أحلام مستغانمي حب مدينتها “قسنطينة” في ذاكرة الأدب، فحق لها إذاً أن ترى الغربة جميلة ..!
“الفرح خارج الوطن عابر وسياحي، فقاعي وبلا جذور. وقلب الإنسان ليس جمهورية فردية مستقلة لكنه قطعة من أرض بلاده” هكذا وصفت غادة السمان الغربة، حيث يتحول الحدث الجلل إلى خواء وعدم وذاكرة فارغة لأجساد تسير بنصف انتباه، وتعيش بنصف إذعان ونصف رضوخ وبعض تمرد ..!
” كانت بدايتي قاسية جداً في لندن، لأنني تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي، لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق، في بلد غريب، بين قوم غرباء. وتحت وطأة الحنين إلى بلدي وأهلي وعشيرتي كتبت قصة نخلة على الجدول” ..!
هكذا تحدّث الطيب صالح عن الغربة كمنعطف، وبداية طريق. وبين حصار البنايات الأسمنتية الشاهقة وكثافة الضباب في لندن تفجَّر الكامن الإبداعي، وتمخَّضت الغربة فولدت أديباً كبيراً. وعندما توفي الطيب صالح نعته بعض الصحف والقنوات العربية بالعنوان العريض التالي “الطيب صالح بين مقبرتين .. وطن يرفع الضغط وغربة ترفع الرأس” ..!
في سودان ما قبل الحرب كنتُ أتذكر هذا المانشيت الذي يستر الحزن كلما شددت الرحال بعيداً عن الوطن، واستدعي ملامح الخرطوم بثوب غبارها العابس وحذاءها البالي، فكانت تبدو لي عزيزة ظالمة الحسن، مظلومة الجمال مثل السندريللا ..!
ربما لذلك كنت أبحث في غربتي الممتدة عن بعض العزاء وعن حسنات الغربة في منجزات أمثال هؤلاء الأدباء، بين سطور تلك الأعمال الفنية الباهظة التي قدر لها أن تنضج فوق أتون الغربة..!
ولكل المبدعين المغتربين عن هذا الوطن كنت أقول ليس من عزاء حين مفارقة الأوطان خير من قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه “خيرُ البلاد هو ما حَملك – بفتح الميم – لا ما حمَّلك – بتشديدها”..!
لكن اندلاع هذه الحرب وطول أمد اللجوء في بلاد الناس أثبت لي أن خير البلاد أيضاً هو ما احتملته مواطناً وحملته مغترباً، فتجلَّى فيك وتحلَّيت به!.
munaabuzaid2@gmail.com






