هناك فرق مني أبوزيد – تَلَفَّتَ القَلْبُ..!

هناك فرق

مني أبوزيد

– تَلَفَّتَ القَلْبُ..!

*”البوح ليس دائما أذنا أخرى بقدر ما هو زمان ومكان ولذة اعتراف” .. محمد حسن علوان ..!

من تجليات الأديب التركي “أورهان باموق” قوله “إن الأدب هو موهبة أن نحكي حكايتنا الخاصة كما لو كانت تخص آخرين، وأن نحكي حكايات الآخرين كما لو كانت حكايتنا الخاصة” ..!

من الأشياء البديعة في الشعر والأدب أنهما يوفران اتكاءةً ذهنيةً لطيفة لقراء الكتب والدواوين فتلك العبارات والجمل البديعة التي ينزف أصحابها بصمود على الورق تبوح بما في نفسه إنابة عنه، وتختزل طبائع نفسه الإنسانية ومواقفه العاطفية والفكرية من مجريات واقعه المعيش في أيقونات نصية، يسهل التوسل بها لتفنيد إشكالات عوالمه الأمارة بالسوء ولتفكيك سلوك البشر الخطائين ..!

الشعر مثلاً على بعض صفحات الجرائد صنعة بيِّنة، والأدب صنعة بيِّنة – وبينهما أمور مشتبهات كالأخبار والحوارات والتقارير والتحقيقات الثقافية والقراءات النقدية – وقوام ذلك كله إعادة إنتاج مدخلات النفس الإنسانية من خلال نقض غزل واقعها الخام، وإعادة رتقه في ثوب صحافي قشيب ..!

 حدثتكم غير مرة عن ذلك القلق الممتع والعصف الذهني اللذيذ الذي يعقب قراءة النصوص الفذة والأطروحات الثقافية الجميلة، عشاق الأدب والشعر والثقافة يعرفون ذلك جيداً، ولمن لم يصل إليه بعد هو ذلك المزيج المتناغم بين الخدر اللذيذ والتحديق ببلاهة في الفراغ أمامك، لفترة قد تطول أو تقصر، الأمر مرهون بتفاعلاتك الداخلية، قبل أن يتلاشى الوهج تدريجياً، وتصبح الومضة الخاطفة – التي تخلفها التماعة النص الباذخ في نفس القارئ الباذخ – قطعة مطرزة في قماش الذاكرة الناعم، نعود إلي استرجاعها كلما سنحت لذلك سانحة ..!   

المرحلة التالية في عشق النصوص هي مرحلة الإلتفات أو “التَلفُّتْ” – على طريقة الشريف الرضي الذي أبدع حينما قال:

ولقد مررت على ديارهمُ ..

وطلولها بيد البلى نهب..

فوقفت حتى ضجَّ من لغبٍ ..

نضوي ولج بعذلي الركب ..

وتلفتت عيني فمذ خفيت

عني الطلول تلفت القلب ..!

حيث يتلفَّت قلبك صوب الكتاب بعد أن يأخذ مكانه بين الكتب الأخرى كلّما مررتُ من عنده “مُتلَكِّكَاً”، متلفتاً على طريقة الشريف الرضي إياها، ثم قد تفعل ما أفعله أحياناً مع نصوص أدبية كثيرة، فتدعو الله متظارفاً أن يمنحنك ذاكرة أخرى أو أن يُقرِضَك أحدُهم ذاكرته لا لشئ إلا لتعاود التذوق والتلمظ إلخ .. ومن ثم الوصول إلى مرحلة القلق الممتع والعصف الذهني اللذيذ، التى أسهبنا في وصف روعتها ..!

جعلنا الله وإياكم – دوماً – من قراء النصوص .. الذين يُتقِنون الغوص في النصوص.. ويَنتَقون تذوق المنصوص!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top