للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
الترابي.. جدل لا ينتهي
قبل يومين، جرى نقاش ثري حول الشيخ الراحل حسن الترابي في مجموعة “الجمهورية الرابعة” على تطبيق (الواتساب)، تناول فيه المتداخلون جوانب متعددة من مسيرته الفكرية والسياسية، وأدلى كلٌّ بدلوه في تقييم إرثه وتناقضاته ،تداخلت مع المتداخلين، معبِّراًعن رؤيتي للترابي الذي لم يكن مجرد شخصية سياسية عابرة، بل كان مفكراً وزعيماً سياسياً ودينياً، ويُعتبر بحق رائد مدرسة التجديد السياسي الإسلامي في السودان والعالم الإسلامي ،كان رجلاً لا يكتفي بالتنظير، بل يخوض غمار السياسة، متسلحاً برؤية فكرية متقدمة، اجتهد في تشكيلها طوال مسيرته الحافلة.
لم يكن الترابي مجرد داعية تقليدي يكرِّر الموروث، بل كان عقلاً متوثباً أعاد قراءة الفقه الإسلامي ضمن سياق العصر، فاجتهد في قضايا الشورى والمرأة والسلطة والعلاقات الدولية من منظور متحرر عن الجمود النصي، ورغم الانتقادات التي طالت بعض أطروحاته، يظل الرجل من أبرز المجتهدين الذين حاولوا تجاوز الإطار التقليدي للخطاب الإسلامي، داعياً إلى فقه حركي يتفاعل مع الواقع بدل أن يظل حبيس المدونات القديمة.
في السياسة، كان الترابي شخصية استثنائية، جمع بين الدهاء والقدرة الفائقة على هندسة التحالفات، ارتقى من زعيم فكري إلى قائد لحركة سياسية كان لها التأثير الأكبر في تاريخ السودان الحديث، لكنه في الوقت ذاته كان سياسياً لا يتورع عن المغامرة، فدخل في تحالفات انتهت إلى صراعات، وواجه إقصاءً من تلاميذه بعد أن أسس لهم دولة الإسلاميين، وبينما رأى فيه أنصاره عقلًا استراتيجياً سابقًاً لعصره، رآه خصومه شخصية براغماتية لا تتورع عن تبديل المواقف متى ما اقتضت الظروف.
اجتهد الترابي في الفقه كما اجتهد في السياسة، وكثيراً ما أثارت آراؤه الفقهية جدلًا واسعاً، سواء في قضايا المرأة، أو الحريات، أو علاقة الدين بالدولة ،تجاوزت اجتهاداته ما اعتبره كثيرون “الحدود التقليدية”، فوجد مناوئين شرسين من داخل التيار الإسلامي نفسه، غير أن الترابي ظل ثابتاً على رؤيته، يرى أن الفقه ليس نصوصاً جامدة، بل اجتهاد يتجدد وفق الزمان والمكان.
رحل حسن الترابي، لكن الجدل حوله لم ينتهِ، ولن ينتهي قريباً ،بين من يراه رائداًّ في تجديد الفكر الإسلامي، ومن يراه مسؤولًا عن أخطاء سياسية كبرى، يبقى من غير المنصف إنكار تأثيره العميق في تشكيل الفكر السياسي الإسلامي في السودان وخارجه ،وربما كانت هذه سمة الكبار: أن تظل سيرتهم حيّة، تُقرأ وتُناقش، ويُعاد النظر فيها جيلاً بعد جيل.






