افياء
ايمن كبوش
الى سايرين وخالد حسان محي الدين.. !
# قلت له: البوليس أو الشرطي، مهما اختلفنا حوله هو ابن المجتمع، وابن الحراك الانساني الذي يرعى اخلاقنا ويصونها.. جاء من مزيجنا وتنوعنا.. ومن بيوتنا السودانية ليحفظ الأمن ويبسط الانضباط.. يكفي ان من يسرق شيئا من بيت المواطن، تجئ به الشرطة بين رمشة عين وانتباهتها.. ومن يقتل نفسا عزيزة أو يزهق روحاً تحضره الشرطة (مكلبشاً) من اقاصي الدنيا.. ولها في ذلك تاريخ ثر وأثر.. هذا هو المعنى الحرفي لأداء الواجب الذي يجعل الشرطي يسعى للإنجاز لكي يبقى مجتمعنا مصانا ومحافظا ومحترما.. جاء الشرطي من داخل المجتمع لتتم صياغته ما بين صفا وانتباه وكتفا سلاح.. وهو ذاته الذي يجلس في قاعات الدرس لكي يدرس قانون الشرطة، والقانون الجنائي وقانون الإجراءات ليفرق ما بين البينة والاثبات ويتقن اشغال الشرطة العملية ثم يغوص في علم النفس والاجتماع والإعلام الأمني وبقية القوانين الخاصة متحمسا ومجتهدا والمبدأ عنده هو مبدأ الجيش الذي يقول ان عرق التدريب يُحقن دماء المعركة.. جاء الشرطي من عصير التدريب وملح التجربة.. يذهب لفض المظاهرات أو حفظ النظام وهو يعلم ان راتبه الشحيح لا يكفي لسد الرمق ولكنه غير آبه حتى ان ضج الهتاف: (يا بوليس ماهيتك كم.. رطل السكر بقى بي كم) أو كما كان يردد (قحاتة يا سجم الرماد): (كنداكة جات بوليس جرا).. هو لا يأبه لذلك لأنه ابن هذا المجتمع ويعلم أكثر من غيره بأنه في خدمة الشعب.
# هل ما نكتبه اليوم جديد ؟ ليس جديدا.. ! ولا ينبغي له أن يكون كذلك طالما أنه ينم عن تقديرنا الشديد لمؤسسة عريقة عمرها اكثر من مائة عمر.. مائة عام من التجربة ومائة عامة من الخبرة الطويلة الممتازة… هذه المهنة هي (العكازة) الذي يستند عليها صفو المجتمع ويستقيم بها (تمام كيفه) في الحياة الكريمة ولكن ماهي المناسبة ؟ وانا الذي يزعجني الذي يفجعني في كل هذا الذي أقوله واكتبه.. تزعجني يا سيدي الاستهانة بفصيل متقدم استطاع أن يكون معك في عز المحنة مع أن مخارج الهروب أمامه متعددة ومتاحة، استطاع أن يقول لك ولكل الدنيا أنا هنا.. مسددا ومقاربا ومقاتلا معك كرفيق خنادق وصنديد متحركات ثم تصحو على صدى الرسالة: (منسوبو شرطة محلية كرري لم يبارحوا اماكنهم… ولم يشملهم تحفيز او بدل عمليات او ترقية.. تساووا مع بقية منسوبي الشرطة في الولايات الآمنة وده ظلم.. كان ممكن يبلغو في الولايات الامنة)… ثم رسالة أخرى: (يا عزيزنا كبوش.. فصيل متقدم من قوات الاحتياطي المركزي يضم ضباطا وضباط صف وجنود ظل يقاتل في متقدم البرق الخاطف بشراسة وقبل العيد جاهم حافز العيد أربعين ألف جنيه سوداني.. اتخيل).. !
# مثل هذا الذي اكتبه اليوم يعيدني إلى تلك (المؤانسة) حيث قلت لذلك الشرطي القديم.. و(هل انضر سنين العمر تسرقها المهنة.. كما ظللت تكتب) ؟.. ثم: (هل أنت نادم يا سيدي على تلك السنوات التي اختتمتها بحفنة جنيهات يسمونها المعاش) ؟.. فقال لي: (يا بني هي المهنة الصراط.. هذه المهنة العذاب.. اعطيناها الحب فأعطتنا الحياة.. اتيناها صغاراً بحماس الشباب والهمة والنشاط.. فتعلمنا فيها مبادئ كثيرة تبدأ بأن اللقمة المغموسة في الحلال لا تخرج من جوفك إلا على سبيل العافية.. حملنا هذه المهنة شجوناً على اكتافنا وبقينا فيها على توكل ويقين بأن المغادرة ستكون الى بابين من ابواب اللا عودة.. باب المضي الى القبر.. أو باب المغادرة بـ’’وفاء المدة’’.. نغادر بالدموع ونستدعي بداياتنا مع كشف الهيئة.. ومعاينة المدير.. العيون العسلية.. الشعر القرقدي.. الخمسة اقدام والثماني بوصات.. الشرف والامانة.. حسن السير والسلوك.. وما بين تلك وتلك هناك ذكريات وقصص عن عظمة البوليس.. وشموخ الرجال.. الايام تحكي عن ذلك (النبطشي) الذي يهتم بـ(تمام العهدة) وادراجها في السجلات.. يسرع في تقييد آلاف الجنيهات التي وجدها عسكري الميدان في درج العربة التي ارتكبت حادثا وانتقل صاحبها إلى الرفيق الأعلى.. يفعل الشرطي ذلك وباله مشغول بتلك الفواتير التي تنتظره في البيت وهو لا يملك من نعيم الدنيا غير جنيهات لا تشترى سوى (خبز حاف).. ولكنه لا يشكو.. ولا يتذمر ولا يعرف معنى الاستياء..
# أعود وأقول إن رسالتي هنا إلى الخبير الجمركي سعادة الفريق خليل باشا سامرين، وزير الداخلية، ثم إلى بريد سعادة الفريق أول شرطة حقوقي خالد حسان محي الدين، مدير عام قوات الشرطة، شفاه الله وعافاه، هذه القوة المنضبطة وهي تتأهب للنزول إلى الميدان واتخاذ أماكنها في حفظ الأمن وخدمة المجتمع تحتاج لإعادة نظر على أن تبدأ هذه الإعادة بالذين يقاتلون في الميدان ودونكم ابطال الاحتياطي المركزي في متحرك البرق الخاطف ومقر الاحتياطي في ام درمان وقد قدموا عددا من الشهداء… إعادة النظر واجبة في ظل واقع جديد يستدعي الانصاف، الا قد بلغت.. ؟ اللهم فأشهد.






