حاجب الدهشة
علم الدين عمر
بين الألم والأمل… إعتذار وأمتنان للدكتور عصام الشاعر وفريقه ..وللكرامة..
قرّاء حاجب الدهشة.. أحبتي في الكلمة والموقف..
ما أثقل الغياب حين لا يستأذن..وما أوجع الصمت حين تفرضه الحياة قسراً على من اعتاد أن يكون معكم.. بينكم.. يكتب..يناقش.. يغضب ويأمل.
لقد مرت شهورٌ طويلة حملت في طياتها وجع الجسد وأنشطار الروح..كنت أقاوم ألماً مستمراً، غائراً صامتاً كحزنٍ قديم..جعلني أؤجل مراراً ما كان يجب أن يُنجز فوراً أعني العملية الجراحية التي أوصاني بها الأطباء منذ زمن، لكنني – كما كثير من السودانيين – أُرجئ الألم حين يشتدّ ألم الوطن.. ونُطفئ وجعنا حين تشتعل بلادنا ..
كيف أستسلم للسرير وأنا أرى الوطن فوق سرير آخر، معلقاً بين الحياة والموت؟ كيف أبحث عن العلاج، وأصوات الرصاص تسبق صافرات الإسعاف وقلوب الناس تنزف بلا مسكنات؟!
ثم جاءت المحنة الأثقل… مرض الوالد، ثم رحيله و لم أعد أرى شيئًا سوى ظله، ولم أعد أسمع سوى صدى أنفاسه الأخيرة. رحل وتركني أحمل ضعفين: وجعي ووجعه. ولا أظن هناك في اللغة ما يصف ألماً كهذا.
لم تكن العزلة تامة كانت محبتكم، سؤالكم، رسائلكم، تضيء لي الطريق في عتمة المرض.. زملائي في الوسط الإعلامي..أسرة الكرامة إخوتي من أبناء السودان، في القاهرة وخارجها، كنتم بلسمًا صادقاً وترياقاً ناجعاً في زمنٍ غدا فيه الوفاء عملة نادرة. فشكراً لكم، لأنكم لم تتركوني وحيداً..
وأخص بالإمتنان العميق الدكتور الإنسان عصام الشاعر، الذي لم يكن طبيباً فحسب، بل كان ضوءًا في غرفة العمليات، ويد حانية تُمسك بك في لحظة اللاوعي، وتطمئنك بأن الطب ما زال مهنة للرحمة، لا مجرد إجراء جراحي. هو وفريقه الطبي، كانوا بلسماً آخر ، يسهرون، يتابعون، يراعون بحس نادر ومسؤولية تليق بأرواح الناس.
الآن، أتعافى رويدًا رويدًا في المنزل، لكنني أُدرك أن الشفاء الحقيقي لن يكتمل إلا بشفاء الوطن. ونحن – جميعاً – مرضى بهذا الحلم الكبير، أن نرى السودان معافى، مزدهر شامخ، يستعيد كرامته، وتاريخه، ووعيه.
ورغم المرض والألم فإن الفخر يملأ جوانحي لأن صوت الكرامة لم ولن يصمت ..ظلت هذه الصحيفة وستظل بإذن الله صوت الحق وقائدة مسيرة الإعلام الوطني الذي لا يخشي أحداً ولا يهادن في قضية الوطن ستظل هذه الصحيفة منبراً ورافعةً للوطنية، تكتب بالمداد النقي، وتصرخ حين يتوجب الصراخ. الكرامة لا تتقاعد..ولا تخون..هي عهد وميثاق..وولاء لا يلين.
سنظل في ميدان المعركة لأنها خطي كُتبت علينا ومن كُتبت عليه خطي مشاها ..سنعود أكثر شراسة في الحق.. وأكثر قرباً من الناس. سأكتب كما كنت، وأشدُ من أزر كل يدٍ تبني وكل قلبٍ ينبض بحب السودان..
نحن اليوم في خضم معركة الكرامة وهي ليست معركة سلاح فقط، بل معركة إرادة. وكما انتصرنا في ميادين كثيرة.. سننتصر هنا أيضًا.. وسنعيد بناء هذا الوطن، داراً داراً .. حجرًا حجراً.. وننقش على جدرانه أن الكرامة ليست خيارًا بل قدر.
حتى ألقاكم من جديد…
محبتي وعميق إحترامي.






