كبسولة وعي صباح المكي: حكومة الأمل في السودان (1) من نبل النوايا إلى اختبار الأدوات.. تأملات في خطاب حكومة الأمل..

كبسولة وعي
صباح المكي:
حكومة الأمل في السودان (1)
من نبل النوايا إلى اختبار الأدوات..
تأملات في خطاب حكومة الأمل..

لا يمكن قراءة خطاب “حكومة الأمل” دون التوقف عند سماته الإيجابية..

“الأمل” لم يكن اختيارًا بلاغيًا، بل محاولة لإعادة هندسة علاقة المواطن بالدولة

ما يُحسب للخطاب أنه لم يقدّم الشعار معزولًا عن منظومة مرجعية قيمية..

في لحظة مفصلية يتقاطع فيها دمار الحرب مع أشواق إعادة التأسيس، قدّم رئيس الوزراء خطابًا تدشينيًا يطرح ملامح “حكومة الأمل” — مشروع يُراد له أن يعيد بعث الدولة بروح مدنية، مستقلة، وتكنوقراطية، بعد انهيار مؤسسات ما قبل الحرب.
الخطاب، من حيث الشكل، بدا متماسكًا في لغته، أخلاقيًا في منطقه، ومفعمًا بالقيم النبيلة: الكفاءة، النزاهة، العدل، والشفافية. وهو يُقدَّر بوصفه إطارًا تأسيسيًا عامًا، لا مخططًا تفصيليًا للحكم، وهو ما ينسجم مع طبيعة اللحظة الانتقالية. غير أن ما يُؤخذ عليه لا يتعلق بغياب التفاصيل التنفيذية، بل بغياب التلميح إلى جدول زمني واضح، أو آلية مؤسسية لاحقة تُترجم هذه القيم إلى خطوات عملية.

وفي ظل غياب الجدولة الزمنية أو الضمانات المؤسسية، لا يُطرح السؤال على مستوى الطموح، بل على مستوى قابلية التفعيل: هل نحن أمام إطار عام لحوكمة ما بعد الحرب؟ أم ملامح أولية لمشروع ينتظر اكتمال أدواته في المراحل القادمة؟

وهو ما لا يُنتقص من رمزية الطرح، بل يعكس الحاجة إلى ربط الأمل بخطوات مؤسسية متدرجة، تجعل الأمل قابلًا للقياس، والإصلاح قابلًا للتنفيذ، بما يُكسب المشروع شرعية الإنجاز لا الاكتفاء بالتوجّه.

*أولًا: الإيجابيات – حين يقترب الخطاب من هندسة الدولة*
لا يكون النقد منصفًا ما لم يسبق الإقرار بالمنجز، قبل الإشارة إلى القصور. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة خطاب “حكومة الأمل” دون التوقف عند سمات إيجابية تمنحه حدًا أدنى من الجدية الرمزية، وقد تفتح — إن أُحسن البناء عليها — أفق تحوّله من خطاب إلى مشروع.
*1. الشعار والقيم: حين يصبح الأمل مسؤولية سياسية*
انطلق الخطاب من شعار بسيط: “الأمل”. لم يكن ذلك اختيارًا بلاغيًا، بل محاولة لإعادة هندسة علاقة المواطن بالدولة. في بلد أنهكه اللايقين، لا يكون الأمل مجرد عاطفة، بل مرجعية سياسية تستعيد وظيفة الدولة: ضامنةً للأمن، مولّدةً للرفاه، ومصدرًا للعيش الكريم. وما يُحسب للخطاب أنه لم يقدّم الشعار معزولًا عن منظومة مرجعية، بل قرنه صراحة بمنظومة قيمية: الصدق، الأمانة، العدل، الشفافية، التسامح — قيم تُفترض أنها تحدّد طبيعة “العقد الجديد” بين الدولة والمواطن.

ورغم ما قد يبدو فيها من “بديهية”، إلا أن طرحها في هذا السياق — بعد حرب قامت على نقيضها — هو بمثابة اعتراف سياسي ضمني بأن الخراب لم يكن بنيويًا فقط، بل أخلاقيًا في جوهره. وهو ما يجعل هذا الشعار، بما يحمله من حمولة رمزية، أكثر من مجرد عنوان: إنه اختبار أول لصدق الحكومة مع ذاتها ومع شعبها.

*2.وعد الحكومة التكنوقراطية: من المحاصصة إلى الخدمة العامة*
إعلان الحكومة بأنها “مدنية، مستقلة، تكنوقراطية” لم يكن توصيفًا شكليًا، بل موقفًا سياسيًا صريحًا في بلد أرهقته المحاصصات، وتميّعت فيه الحدود بين الدولة والحزب. إن خطاب القطيعة مع الحزبية، والمحسوبية، ومنطق المحاصصة، إذا ما اقترن بآليات شفافة للاختيار والمساءلة، يمكن أن يُمهّد لتحول بنيوي حقيقي في هيكل السلطة. فالتكنوقراط، في هذا السياق، ليسوا مجرد مهنيين يُديرون المرافق العامة، بل وكلاء لعقد اجتماعي جديد، تُقاس شرعيتهم بما يحققونه من عدالة ملموسة، لا بما يحملونه من مؤهلات نظرية.

لكن هذا الطرح، رغم رمزيته، يظل هشًا ما لم يُدعَّم بإجراءات قانونية تُحصّن مؤسسات الدولة من إعادة إنتاج النخب ذاتها، ولو بثوب “الخبرة”، وتمنع تسلّل النفوذ من باب الكفاءة الشكلية. فغياب الانتماء الحزبي لا يكفي، ما لم يُقترن بحصانات مؤسسية، ومؤشرات أداء معلنة.

خلاصة القول: التكنوقراطية ليست إعفاءً من المحاسبة، بل استدعاءٌ مضاعف لها. وحكومة تعلن حيادها السياسي لا يُنتظر منها فقط أن تنأى عن المحاصصة، بل أن تُجسّد هذا الحياد عبر أفعال قابلة للقياس، تضمن ألّا تتحوّل الكفاءة إلى غطاء لإعادة إنتاج النفوذ، أو إلى مدخل غير مباشر لتمكين انتقائي، مهما بدا محايدًا في شكله.

*3. الهيكل الوزاري: بين وعود الحداثة ومخاوف التكرار*
من غير المألوف أن يُقدَّم في السودان تصور وزاري بهذا المستوى من الاتساق، كما ورد في خطاب “حكومة الأمل”. فالتقسيم إلى 22 وزارة يغطي القطاعات السيادية والخدمية والاقتصادية، بما يوحي بحدٍّ أدنى من التخطيط وبنية تحاول استباق الفوضى.

صحيح أن بعض المحاور بدت مقتضبة، وبعض العبارات فضفاضة، إلا أن مجرّد تقديم هيكل وظيفي بهذا النسق يُعد خطوة متقدمة مقارنة بخطابات سابقة كانت تُعلن عن حقائب خاوية محكومة باعتبارات الجغرافيا أو الرضا السياسي.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: هل هذا الهيكل هو خارطة لبناء الدولة؟ أم مسودة أولى لإعادة ترتيب التوازنات تحت سقف جديد؟ فما لم تُرفَق هذه التوزيعات برؤية تنفيذية زمنية، ومؤشرات قياس للأداء، وضمانات ضد تضخّم الجهاز التنفيذي أو تسييسه، فإن الخطر ليس في قِلة عدد الوزارات أو كثرتها، بل في تحوّل الهيكل إلى واجهة جديدة لنفس الدولة القديمة، بديكور تكنوقراطي محسّن.

*4. المؤسسات المستحدثة: بين تصحيح البوصلة ومخاطر التجميل المؤسسي*
حين يطرح الخطاب الرسمي إنشاء كيانات جديدة مثل هيئة النزاهة والشفافية، والمجلس القومي للتخطيط الاقتصادي والاستراتيجي، والجهاز القومي للاستثمار، فهو لا يضيف مجرد وحدات هيكلية إلى جسد الدولة، بل يعكس — ولو ضمنيًا — إقرارًا بأن ما انهار في السودان لم يكن الاقتصاد فحسب، بل البوصلة المؤسسية نفسها: وظيفة الدولة أن تُخطط، أن تراقب، وأن تُعيد تعريف علاقتها بالمستقبل على أسس عقلانية ومسؤولة.

من جهة، هو اعتراف متأخر بأن الدولة أُديرت بردود الأفعال لا بالخطط، وبالولاء لا بالمعيار. ومن جهة أخرى، إن لم تُصمَّم هذه المؤسسات كأجهزة مستقلة ذات صلاحيات نافذة وآليات شفافة، فإنها مهددة بالتحول إلى واجهات بيروقراطية تُخفي الخلل بدل أن تعالجه. هيئة النزاهة، مثلًا، لا يجب أن تكون رمزًا، بل مؤسسة تُخضع كل منصب للمساءلة. أما مجلس التخطيط، فدوره أن يكون “عقل الدولة” لا لجنة استشارية. وجهاز الاستثمار لا يُبرر بوجوده، بل بما يملكه من أدوات تشريعية تحمي رأس المال الوطني وتوازن بين الجذب والسيادة.

الرهان، إذًا، ليس في الكم، بل في القدرة على إعادة اختراع الدولة — لا بالتجميل، بل بالحوكمة. والسؤال الأهم الذي على الحكومة أن تُجيب عنه ليس:”لماذا أنشأتم هذه المؤسسات؟” بل:”كيف ستمنعونها من أن تتحوّل إلى أرشيف جديد للعجز؟”

*5. الكفاءات الوطنية المستقلة: دعوة واعدة تنتظر ضمانات النزاهة*
في تقليد سياسي طالما أُديرت فيه الدولة بمنطق الغنيمة، لا بمنطق المؤسسة القائمة على الكفاءة والاستحقاق، جاءت دعوة رئيس الوزراء للكفاءات الوطنية المستقلة لتقديم سيرهم الذاتية كمحاولة أولى لكسر الحلقة المغلقة التي احتكرت المشهد التنفيذي لعقود.

إنها خطوة رمزية في ظاهرها، لكنها تستحق الوقوف عندها لا لكونها تفتح باب المشاركة فحسب، بل لأنها — ولأول مرة من موقع رسمي — تعترف بوجود طاقات وطنية مهمّشة خارج الإطار الحزبي، من المهنيين، والأكاديميين، وسواهم ممن أقصتهم المعادلات السياسية الفاسدة؛ تلك التي عطّلت التمثيل العادل، وأبقت الكفاءة خارج دوائر القرار. وإذا ما تم تعزيز هذه المبادرة بمعايير شفافة، فقد تُمثل تحوّلًا فعليًا في البنية التنفيذية.

فلا أحد يعارض فتح أبواب الدولة أمام كفاءاتها، لكن ما يخشاه السودانيون بحق هو أن يُفتح الباب للجميع، ثم يُغلق مجددًا على ذات الوجوه — بملامح معدّلة، وعناوين محدثة.

*6.خطاب المواطنة: من الإقصاء إلى التأسيس الجامع*
في لحظة سودانية مثقلة بالتشظي، لا يحتاج المشروع الوطني إلى “إجماع مصطنع”، بل إلى الحد الأدنى من الاعتراف المتبادل؛ الاعتراف بأن الوطن لا يُختزل في هوية واحدة، ولا يُدار بمنطق الامتلاك، بل يُبنى على الشراكة، والمواطنة بوصفها القاسم الوطني المشترك.

في بلد أُنهك بالاستقطاب، بدا تأكيد الخطاب على أن الانتماء الوطني لا يُقاس بالحزب أو العرق أو الدين، بل بالمواطنة، بمثابة لحظة فاصلة. طرحٌ لا يُعيد فقط الاعتبار لفكرة الدولة ككيان اعتباري يتجاوز العصبيات، بل يُحاول ترميم رمزيتها المتآكلة كسقف يَسَع الجميع، بعدما تحوّلت — بفعل الانقسام — إلى أداة تُقصي من لا يشبهها.

وإذا كُتب لهذا الخطاب أن يغادر حيّز البيان إلى فضاء التنفيذ، فسيكون قد دشّن الخطوة الأولى نحو مصالحة مجتمعية كبرى — لا تقتصر على الأطراف السياسية، بل تمتد لتشمل العلاقة المنهكة بين المواطن ودولته، وبين الفرد ومؤسسات الدولة. وإذا نجحت الدولة في تحويل هذا التصور إلى آليات تنفيذ، فقد نكون أمام مشروع تصالحي غير مسبوق.

في نهاية المطاف، يبقى الأمل، مهما صدقت نبرته، معلّقًا ما لم يُرفق بآليات تنفيذية واضحة وتدابير مؤسسية رصينة، تحوّل الخطاب إلى ممارسة، والنوايا إلى منظومة حكم.
وإن كانت القيم تمنح المشروع روحه، فإن أدوات التنفيذ هي ما تُكسبه شرعيته.

وإن بشّرت النوايا بالخروج من ركام الماضي، فإن غياب الأجوبة المؤسسية عن أسئلة مثل: “مَن يُنفّذ؟”، “بأي صلاحيات؟”، و”تحت أي رقابة؟” — يعيدنا إلى دوامة الوعود المؤجّلة. لكنّ هذه الدوامة، في سياق جديد مثل هذا، قد لا تكون قدرًا محتومًا — ما دامت الإجابة لا تزال ممكنة، والفرصة لا تزال قائمة.

*في الجزء الثاني*، ننتقل من فضاء التبشير إلى ما يستدعي الإيضاح والتفصيل — من آليات التنفيذ، إلى تحديات المؤسسات وتعقيدات الدولة العميقة. وهي تساؤلات تبقى في صدارة ما نأمل أن يتناوله الخطاب القادم، ضمن رؤية تفصيلية تُرسّخ المسار المؤسسي، وتُحدّد بوضوح معالم التنفيذ استنادًا إلى ما تمّ الإعلان عنه.

#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top