علي خطي المحجوب والأزهري والخليفة.. ماذا لو حدث؟؟!!
الخارجية بيد رئيس الوزراء..وضع إستثنائي
التطور سيحقق إستعادة المركزية المفقودة لإدارة مسارات الحرب ….
كامل إدريس: رجل المرحلة الدبلوماسية .. بأمتياز..
هل تمثل الخطوة إعلاناً إستراتيجياً مشحوناً بالدلالات السياسية والسيادية..
تقرير : علم الدين عمر
راجت سحابة نهار أمس الاول أخبار عن فرضية تكليف رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بأعباء وزارة الخارجية..فإن تم الأمر ..هل هو مجرد إجراء إداري يملأ فراغاً في التشكيل الحكومي..أم يمكن لهذه الخطوة أن تمثل إعلاناً إستراتيجياً مشحوناً بالدلالات السياسية والسيادية..
في وقت تتعرض فيه البلاد لحرب طاحنة يقودها التمرد والتدخل الخارجي.. وتُروج خلالها سرديات زائفة عن حقيقة ما يجري في السودان.. إن وضع ملف الخارجية في يد رأس الجهاز التنفيذي ليس بدعة بل هو خطوة تصحيح تاريخية إن مضت ستكون إعتمدت الإجراء الصحيح في الوقت المناسب ..فقد تعرضت وزارة الخارجية لهزات كبيرة خلال الفترة الممتدة منذ أبريل من العام تسعة عشر وألفين وحتي اليوم ..جرت خلالها الكثير من المياه تحت الجسور في مسار العلاقات الخارجية وألتزام منسوبي الوزارة من السفراء بضوابط العمل الدبلوماسي المعبر عن الدولة ومؤسساتها وتوجهها ..حيث شهد السودان لأول مرة في تاريخه تمرداً معلناً من قبل بعض ممثليه في المحطات الخارجية علي الدولة وتدخلات سياسية إنتقامية كارثية علي العمل الدبلوماسي في مختلف الفترات التي أعقبت تلك السنة..
والتاريخ السوداني لم يخلُ من نماذج مشابهة وإن ظلت محدودة…فقد تقلد الراحل محمد أحمد المحجوب منصب وزير الخارجية إلى جانب رئاسة الوزراء في نهاية ستينيات القرن الماضي مدفوعاً بشغفه بالشأن الدولي وحرصه على أن لا تُختطف السياسة الخارجية من يد القرار الوطني في تلك الحقبة المبكرة من عمر الدولة السودانية..
قبله.. فعلها الدكتور سر الختم الخليفة إبان حكومة أكتوبر.. حين آثر السيطرة المؤقتة على هذا الملف الحرج إلى حين إستقرار السلطة الانتقالية.
الأمر الذي حاوله الدكتور عبد الله حمدوك وهو يبتدع إدارة فعلية شبه كاملة للملف الخارجي..لفترة وإن لم يحمل اللقب رسمياً.. خاصة في ظل ضعف أداء وزراء الخارجية بين يدي النزاعات داخل إئتلاف قوي الحرية والتغيير حينها.
ما صحت المناورة وفعلها كامل إدريس اليوم..يضعه هذا القرار مباشرة ضمن هذا الخط المتقدم.. عطفاً علي إمكانياته الشخصية كرجل قانون دولي ودبلوماسي محترف بخبرة أممية كبيرة ما يُكسب قراره وزن التنفيذ وفهم الميدان معاً..
معركة السودان الكبرى.. ليست في الميدان وحده..
كثيرون يعتقدون أن معركة السودان الحالية تُحسم بالبندقية وحدها..لكن الحقيقة أن السودان يخوض ثلاث حروب متزامنة:
حرب ميدانية ضد تمرد مسلح واسع الإنتشار.
حرب معلومات وسرديات تُدار من غرف ضغط دولية وإعلامية لإعادة تعريف ما يجري على الأرض.
وحرب دبلوماسية لإبقاء السودان معزولاً ومجمداً ومغيباً عن محافل القرار..وعن محيطه الإقليمي والدولي.
تعيين رئيس الوزراء وزيراً للخارجية هو بالضبط ما يمكن أن يمثل إستعادة للمركزية المفقودة في إدارة هذه الحروب..بالتزامن.. فحين تُترك السياسة الخارجية للمجاملات أو المناورات السياسية أو الشخصيات غير المفوضة لحمل وزن البلاد في المحافل الدولية..بصلاحيات كاملة تتسق مع الظروف الراهنة فإن السودان يخسر معركته الأساسية.. معركة الوجود والتعريف والسيادة.
إن ما جرى في الأشهر الماضية – من تواطؤ صامت في بعض المحافل.. وتمرير خجول لمواقف المتمردين.. وإغلاق الآذان الدولية عن الجرائم البشعة المرتكبة ضد المدنيين – ليس فقط نتيجة إختلال في موازين القوى..بل أيضاً نتيجة غياب الصوت السوداني القوي الذي يُحدث الفرق ويقلب الطاولة..لا من ضعف في تأهيل الوزراء الكبار الذين تقلدوا هذا المنصب الحساس وعلي رأسهم الدكتور علي يوسف الوزير السابق ولكن من (بيروقراطية) التنسيق بين مستويات السلطة المختلفة وتسارع الأحداث بما لا يسمح بالمراجعة في الوقت المناسب..
وذلك تحديداً ما يمكن أن يُحدثه كامل إدريس.
كامل إدريس: رجل المرحلة
لا يحمل كثير من قادة العالم المعاصر سيرة شبيهة بتلك التي يحملها د. كامل إدريس: دكتوراه في القانون الدولي من جامعات الغرب..مدير سابق للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)..
مفاوض بارع في قضايا الملكية والسيادة والتنمية على مستوى الأمم المتحدة..
يتمتع بعلاقات سياسية وشخصية واسعة داخل المؤسسات الدولية.. من نيويورك إلى جنيف وأديس أبابا إضافة لصلاحيات رئيس الوزراء..
وبعيداً عن الألقاب.. فإن ما يميزه في هذا المنعطف الحرج هو القدرة على إعادة وضع السودان على الطاولة الدولية بمنطقه السيادي الخاص..لا بتوسلات الهامش وإستجداء حواف الطاولات..
وهو يعرف تماماً كيف يُعيد تقديم القضية السودانية كدولة تتعرض لعدوان منظم.. وليست كأرض صراع أهلي بين أطراف متنازعة – الكذبة التي تكرست لسنوات قاربت الثلاثة.. وساهم فيها بعض أبناء البلاد من مواقع التخريب.
وجود إدريس في الخارجية يعني بالضرورة:
إعادة تعريف الحرب.. وتحويل الخطاب من “نزاع داخلي” إلى “عدوان خارجي وتمرد مسلح مدعوم إقليمياً”..
تحريك ملف عودة السودان للاتحاد الأفريقي والهيئات الدولية.. كمطلب مبني على الشرعية والإستحقاق..عقب تعيين رئيس الوزراء المدني وكذلك بمسار الخارجية الدبلوماسي..
وضع العلاقات الثنائية والإقليمية على طاولة مجلسي الوزراء والسيادة مباشرة بما يُنهي حالة الفوضى والتناقضات التي طبعت أداء بعض السفارات.
الدبلوماسية تحت إمرة الدولة ..
الخطوة الأكثر عمقاً في هذا القرار إن تم إمضائه ليست في تولي المنصب فحسب.. بل في ما يمهد له من إعادة بناء شامل للجهاز الدبلوماسي..
لأعوام (خاصة في عهد قحت والدكتور عبدالله حمدوك) تحولت وزارة الخارجية إلى ساحة للمحاصصات والترضيات والشلليات الحزبية..وما يشبه الهزيمة السياسية حينما قام رئيس الوزراء بإستدعاء البعثة الأممية كسابقة خطيرة علي سيادة البلاد بينما تراجع دور الدبلوماسي المحترف لحساب المُعين السياسي..
وبذلك يمكن إن يُعاد ترتيب الأوراق من جديد..
تفريغ السفراء أصحاب الكفاءة للعمل الفني والدبلوماسي النشط.. وعدم إنتظار الأوامر في المكاتب..
توفير الغطاء السيادي المباشر لهم لحمل رسالة السودان إلى العالم دون تردد أو تخوف من الاستهداف السياسي…
إخضاع عمل السفارات لمعيار الأداء الوطني المجرد.. بعيداً عن التوازن الحزبي أو الجهوي..
تحويل وزارة الخارجية إلى غرفة عمليات إستراتيجية وليس مجرد أمانة مراسلات..
بلا شك حولت الحرب صوت السفارات ليصبح خط الدفاع الأول عن الرواية الوطنية..
ومن دون ترتيب هذا البيت.. لن يتمكن السودان من التأثير في القرار الدولي.. حتى لو كسب كل معاركه الميدانية.
ربما نحن بين يدي قرار سيادي جرييء يعيد السودان إلى قلب السياسة الدولية..
إن صدقت الأنباء وتحمل رئيس الوزراء بنفسه حقيبة الخارجية.. فهو لا يبحث عن لقب إضافي..أو يتنكب طريق الأعباء المتزايدة بل يُعلن بوضوح أن سياسة السودان الخارجية لن تدار من خارج الدولة.. ولن يتحدث بإسم السودان سوى من يحميه ويدافع عنه بالفعل..
هذا القرار – وإن بدت فيه جرأة – إن صدر فسيكون خطوة عقلانية تفرضها ضرورات السيادة.. وتستدعيها ظروف الحرب ومطلوبات المرحلة ويدعمها تاريخ طويل من سوء إستخدام ملف الخارجية والدبلوماسية وقد لا يكون كامل إدريس مجرد وزير خارجية مؤقت لحين ترتيب الوزارة.. بل قد يكون الفاعل الرئيس في إعادة تعريف مكانة السودان في العالم..
بعد أن كادت تختطفها المليشيات والدعاية المضادة والتواطؤ الصامت..
المعركة السياسية الكبرى بدأت الآن.. ومن قلب وزارة الخارجية..فهل تحمل الساعات القادمة توقيعاً علي وريقات هذا القرار أم يكون مجرد أمنيات دوزنها البعض علي إيقاع حكومة الأمل؟؟؟





