الوساطة أم المؤامرة؟ .. دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (4) هندسة التحالف: مثلث نيروبي –ميليشيا الدعم السريع – نظام أبو ظبي. بالنسبة لحميدتي، لم يكن الذهب موردًا فقط.، بل أداة ضغط.. (…..) هكذا ينبغي قراءة زيارة روتو السرية إلى عطبرة عام 2020… بقلم: صباح المكي

الوساطة أم المؤامرة؟ ..
دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (4)
هندسة التحالف: مثلث نيروبي –ميليشيا الدعم السريع – نظام أبو ظبي.

بالنسبة لحميدتي، لم يكن الذهب موردًا فقط.، بل أداة ضغط..

(…..) هكذا ينبغي قراءة زيارة روتو السرية إلى عطبرة عام 2020…

بقلم: صباح المكي

*ذهب وسلاح وجيوسياسة: كيف حوّلت ثلاث جهات “السلام” إلى تجارة، والتمرد إلى دبلوماسية؟ ليست وساطة، بل تبييض سياسي وشرعنة للتمرّد.*

لم تُشيَّد إمبراطورية الدعم السريع الذهبية لإطالة أمد الحرب، بل لتجاوزها، ما بدأ كاقتصاد ميداني سرعان ما تحوّل إلى منظومة إقليمية تموّل الانتخابات، وتعيد تشكيل الدبلوماسية، وتصنع الشرعية من أنقاضها.

بالنسبة لحميدتي، لم يكن الذهب موردًا فقط.، بل أداة ضغط: عملة للحرب، والبقاء، وشراء الولاءات. لم يُنفِقه للسلام، بل لتوسيع نفوذه على امتداد الساحل الإفريقي، عبر النهب والطموح.

في شرق إفريقيا، تحوّلت الوساطة الكينية من حياد محترم إلى قناع يخفي التحالفات، ويمتص الرقابة، ويغسل لغة “السلام” لتجميل منظومة الإفلات من العقاب. في عواصم المانحين، لم تُدان الفظائع، بل أُعيد تسويقها كـ”حوار شامل” في حرب بات رعاته أنفسهم يقدّمون أنفسهم كمنقذين.

إذا كشف الجزء الأول المسرح، والثاني مصادر التمويل، والثالث نشأة التواطؤ، فإن الرابع يكشف كامل المعادلة: ليست وساطة، بل مثلث نفوذ — صيغ بالحرب، ومُوِّل بالاستخراج، وغُلّف بلغة السلام.

*روتو، ميليشيا الدعم السريع، ونظام أبو ظبي: المثلث الذي أدار الحرب*

لا ينبغي قراءة زيارة ويليام روتو السرية إلى عطبرة عام 2020 كحدث دبلوماسي هامشي، بل كمفصل تاريخي في هندسة أوسع لإعادة توزيع موازين القوة العابرة للحدود. آنذاك، كان روتو يشغل منصب نائب رئيس كينيا ويُعيد تموضعه بهدوء على طريق الرئاسة. وتشير تقارير استخباراتية ودبلوماسية من تلك المرحلة إلى أن الزيارة شملت نقلًا غير مشروع لشحنات — صناديق من الذهب والنقد — عبر ممرات خاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع.

ورغم غياب الاعتراف الرسمي، فإن تتابع الوقائع لاحقًا منح تلك الادعاءات قدرًا غير قليل من المصداقية. فقد اكتسبت حملة روتو الانتخابية زخمًا استثنائيًا، بينما تبخّرت الضغوط القانونية التي كانت تمارسها المحكمة الجنائية الدولية وكأنها أُزيحت بقرار غير معلن. وما رُوِّج له كزيارة شخصية، بات يُشبه حجًّا سياسيًا مدفوع الثمن: الوصول مقابل الغفران، والذهب مقابل شرعية الأوكسجين السياسي.

في هذا السياق، لم تكن تلك الرحلة تفصيلة جانبية، بل كانت لحظة انعطاف استراتيجية، تقاطعت فيها الطموحات السياسية، والأدوات المالية، والحصانات القضائية. لقد دشّنت ما يمكن وصفه بمحور سري للنفوذ التبادلي، حيث تلاقت ثلاث أدوات استراتيجية: الذهب السوداني كمصدر سيولة غير منظّم، التمويل الإماراتي كوقود للمحسوبية العابرة للأقاليم، والتسهيلات السياسية الكينية كقناة للتطبيع الدولي. كل طرف جاء برأسماله الخاص، لكنهم معًا شيدوا مثلث نفوذ معتم — هدفه ليس الحكم، بل احتكار أدواته عبر ميليشيا تُعيد رسم الاصطفافات، تُسيّل السيادة، وتُحصّن الإفلات من المحاسبة.

ميليشيا الدعم السريع كانت المركبة التي استقلّها حميدتي نحو الصعود العسكري. كينيا، بقيادة روتو، وفّرت الغطاء الدبلوماسي، ومرّرت الشبكات المالية غير الرسمية، وسهّلت الحراك اللوجستي. أما نظام أبوظبي — الراعي المتخفي في وضوح العلن — فقد موّل ونسّق هذا البناء خلف الكواليس.

لم يكن هذا تحالفًا أفقيًا بين شركاء، بل تواطؤًا هرميًا بواجهات متعددة. كل المؤشرات تصبّ في استنتاج واحد لا يقبل المواربة: هذه الحرب لم تكن اندلاعًا عفويًا، بل نتيجة إخراج مسبق. فالتحالفات، وتدفقات الأموال، والتعبئة القبلية، وسيناريوهات التفاوض، جميعها تشير إلى بنية صُمِّمت مسبقًا. فالميليشيا حُشِدت قبل الطلقة الأولى، والذهب سبق الوساطات. أما محاولة تحويل حميدتي من زعيم مليشيا خاضع للعقوبات إلى “رجل دولة”، فلم تنبع من الداخل، بل عَبَرت من بوابة نيروبي — بشهادة عبور ممهورة بتوقيع روتو.

هكذا، تحوّل الإفلات من العقاب إلى استراتيجية سياسية، والتمرّد إلى دبلوماسية مقنّعة، والفظائع إلى استثمار إقليمي محسوب. كانت المعادلة تبادلية، والرقصة منسّقة بإتقان — أما المُخرج؟ فهو نظام أبوظبي، دون منازع.
لقد موّلت أبوظبي زعيم المليشيا، وأمدّت الرئيس بأدوات التحصين السياسي، وهندست تلاقيهما. ففي هذا المثلث الجيوسياسي، لم يكن الإفلات من العقاب أثرًا جانبيًا — بل العملة الرسمية للمشهد.

*شبكات الملاءمة: من دبلوماسية الطائرات إلى هندسة التبعية*

محاولات تصوير العلاقة المتنامية بين كينيا وقوات الدعم السريع على أنها وليدة “ألفة شخصية” — أو ما سمّاه بعض المراقبين ساخرين “الصداقة الأخوية” بين الرئيس ويليام روتو وحميدتي — لا تعبّر سوى عن تبسيط مضلّل لاصطفاف إقليمي بالغ التعقيد. فما يبدو على السطح مودةً دبلوماسية، ليس إلا كوريغرافيا محسوبة لإعادة تموضع كينيا داخل محور يتقاطع فيه الذهب السوداني، والتمويل الإماراتي، والطموح الكيني لتأدية أدوار تفوق طاقتها المؤسسية.

في جوهره، لم يكن انخراط روتو مع الدعم السريع انزلاقًا، بل إعادة صياغة لهوية كينيا: من وسيط تقليدي، إلى أداة وظيفية ضمن شبكة نفوذ عابرة للسيادة. ترتكز على شرعيات مصنّعة ومصالح مشتركة تُدار خارج الأطر الرسمية.

بحلول يناير 2024، بدأ قناع الحياد الكيني يتساقط علنًا. حينها، استقبل روتو حميدتي رسميًا في نيروبي ضمن جولة إقليمية أثارت احتجاجًا من الحكومة السودانية، التي اعتبرت الخطوة شرعنة مريبة لزعيم ميليشيا مطلوب للعدالة.

غير أن التصعيد الدبلوماسي الحقيقي جاء في نوفمبر 2023، عندما تواترت التقارير والأنباء عن الزيارة الرسمية التي أجراها روتو إلى جوبا. وعلى متن الطائرة الرئاسية الكينية، رافقه سرًا “طاحونة” ، نائب قائد ميليشيا الدعم السريع وشقيق حميدتي، وهو شخصية مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية لدوره في الفظائع التي ارتُكبت في دارفور. كان المشهد فاضحًا: رئيس دولة يمنح غطاءً سياديًا رسميًا لمليشياوي خاضع لعقوبات دولية، ويعبر به الحدود في مهمة دبلوماسية ذات رمزية لا تخطئها العين.

ورغم محاولات تبرير هذا الانخراط بعبارات مثل “العلاقات الشخصية” أو “الدبلوماسية المفتوحة”، جاء الرد السوداني صارمًا: ما حدث لم يكن وُدًّا، بل تواطؤًا مؤسسيًا مكتمل الأركان.

ثم جاءت الذروة المالية. ففي أواخر 2024، وقّعت كينيا اتفاقية اقتصادية شاملة مع نظام أبو ظبي، تضمنت حزمة بقيمة 1.5 مليار دولار لمعالجة العجز في الميزانية الكينية، ضمن توسّع استثماري إماراتي واسع النطاق في كينيا. ووفق مصادر دبلوماسية، كان الاتفاق مزمعًا أن يُدفع على أقساط، لكن بعد استضافة نيروبي لمؤتمرات “تأسيس” لتشكيل “الحكومة الموازية”، تم تحويل المبلغ دفعة واحدة — فيما اعتُبر مكافأة سياسية مغلّفة.

وفي فبراير 2025، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا ناريًا غير مسبوق، اتهمت فيه الرئيس روتو صراحةً بـ”خضوع السياسة الخارجية الكينية لمصالح شخصية وتجارية متقاطعة مع الدعم السريع ورعاته الإقليميين”، واعتبرت ذلك “عداءً سافرًا لسيادة السودان، وخيانة صريحة لمبادئ السلام والاستقرار في شرق أفريقيا”.
لم يكن البيان مجرّد احتجاج دبلوماسي، بل شهادة وفاة رسمية لدور كينيا كوسيط، وإقرارًا بتحوّلها إلى قناة فعّالة لغسل شرعية مليشيا تخوض حربًا شاملة على الدولة السودانية.

وبهذا التراكم، لم تعد سياسة كينيا تجاه الميليشيا انحرافًا دبلوماسيًا، بل تجسيدًا لبنية ارتهان مالي وسياسي آخذة في التشكل. فالمجاملات السياسية قد تتغير، أما الديون السيادية فهي التزام طويل الأمد لا فكاك منه.

ما يتشكّل أمامنا ليس تحالفًا دبلوماسيًا بالمعنى التقليدي، بل نظام مقايضة إقليمي تُباع فيه التزكيات السياسية، ويُعاد تدوير المال غير المشروع، وتُحاك التحالفات في الظل، ثم تُغلّف بلغة سلام مصطنعة.
قد تكون “الألفة” بوابة الدخول، لكن من يُثبّت المواقف ويُدير الاصطفافات هو رأس المال، والتبعية، والارتهان الاستراتيجي.

*خاتمة وتمهيد: من نيروبي إلى نيامي — حين تصنع الميليشيا الرؤساء وتصمت الإمبراطوريات*

في الشبكة المتداخلة التي تكشّفت أمامنا، لم تكن كينيا مجرّد دولة جارة، بل عقدة محورية في محور يعيد ترسيم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي. في هذا التكوين، لم يعُد “السلام” هدفًا يُسعى إليه، بل لغة برّاقة تُستخدم لتجميل الوقائع، وتبييض التواطؤ، وتسويق شرعيات مصنّعة فوق أنقاض الدولة.

لم تكن ميليشيا الدعم السريع طرفًا عابرًا في نزاع داخلي، ما لم يكن نظام أبوظبي مجرّد مموّل عابر ، ولا كينيا وسيطًا محايدًا. بل شكّل كل طرف منها ضلعًا في مثلث التآمر والإفلات من العقاب — منظومة تُصاغ فيها السياسات بمداد الذهب، وتُحاك فيها التحالفات بخيوط الديون، ويُعاد ترتيب الإقليم على حساب العدالة والسيادة.

لكن حدود هذا المحور لا تقف عند نيروبي أو أبوظبي. جذوره تمتد غربًا — إلى النيجر، ومالي، وتشاد — حيث تتحوّل الجغرافيا إلى ساحة مزادات، وتُختزل السيادة في معادلات أمنية، وتُستبدل أدوات الدولة بشبكات المرتزقة والمال العابر للحدود.

ومن هنا، نغادر نيروبي ونتّجه غربًا… إلى الصحراء الكبرى، حيث تُنحت السياسة على رمال متحرّكة لا تثبت على مبدأ، ولا تُمسك بسيادة. من نيامي إلى نواكشوط، نرصد كيف أصبح الذهب السوداني العملة السرّية لصناعة السلطة، وكيف تحوّلت ميليشيا الدعم السريع من أداة قتل إلى أداة انتخاب.

في النيجر، لم يكن الذهب مجرد تمويل لحملة انتخابية، بل كان دمًا مسكوبًا في قوالب السبائك — ذهبًا ملطخًا بدماء السودانيين، صبغ صناديق الاقتراع قبل أن تفتح لم تكن حملة محمد بازوم ممكنة دون السبائك القادمة من دارفور، ولم تكن وحدات الرئاسة الأمنية الجديدة سوى نسخ هجينة من ميليشيا الدعم السريع. أما باريس، فكانت تعرف — لكنها صمتت، حتى طُعنت في نفوذها بسلاح موّلت صناعته.

هكذا تبدأ فصول “سلعنة السيادة”: ترقّبوا في الجزء الخامس: النيجر —عندما تصنع الميليشيا الرؤساء، وتصمت الإمبراطوريات القديمة، يصبح الدم العملة الوحيدة في أسواق السيادة.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top