الوساطة أم المؤامرة؟
دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (5)
* من نيروبي إلى نيامي — هندسة تفكيك السودان بتواطؤ دولي
*بقلم: صباح المكي*
*حين تُستنسخ الدولة على نموذج الميليشيا*
كيف موّل ذهب دارفور حملة محمد بازوم؟!!
لم يكن طموح حميدتي توسيع نفوذ، بل هندسة الإقليم سياسيًا واقتصاديًا
من نيروبي إلى لاهاي، ومن ذهب دارفور إلى مقاعد الاتحاد الإفريقي، رسمت الأجزاء الأربعة السابقة خريطة مشروع لم يعُد يخفي ملامحه: تحالف إقليمي تُدار فيه السياسة بأدوات التمرّد، وتُصنع فيه الشرعية على أنقاض القانون.
في الجزء الأول، سقط قناع الحياد الكيني. في الثاني، انكشفت معادلة الذهب والسياسة. في الثالث، تهاوى صرح العدالة الدولية من الداخل. وفي الرابع، اكتملت أضلاع المثلث: كينيا كمنصة، الإمارات كمموّل، والدعم السريع كأداة — شبكة تعيد تشكيل الإقليم، لا لإرساء الاستقرار، بل لتقنين الفوضى.
لكن المشروع لم يتوقّف عند شرق القارة. فقد تمدّد غربًا، بهدوء، وسَبق زمني، وتجريب مقصود.
في هذا الجزء، ننتقل إلى النيجر — لا باعتبارها دولة متأثرة، بل كنموذج أول لتصدير الصيغة: كيف موّل ذهب دارفور حملة محمد بازوم؟ كيف شُكّلت وحدات رئاسية هجينة تُحاكي ميليشيا الدعم السريع؟ كيف صمتت فرنسا، ثم صُدمت بإقصائها من اللعبة التي اعتقدت أنها تُديرها؟ وكيف بدأت الميليشيا تتحوّل إلى أداة تصدير، لا لتستقر، بل لتفرض السيطرة؟
هنا تبدأ قصة سلعنة السيادة — حين لا يُنهب السودان فحسب، بل يُعاد تصدير النموذج الميليشياوي كأداة تفكيك تُباع بلباس الشرعية، وكنموذج للفوضى المُقنَّنة.
*حميدتي في النيجر — تصدير رأس المال السياسي*
لم يكن طموح حميدتي توسيع نفوذ، بل هندسة الإقليم سياسيًا واقتصاديًا بمنطق يُعيد تشكيل الدولة وفق منهج الميليشيا، حيث تُدار السيادة كسلعة، وتُعقد التحالفات كصفقات. بحسب تقرير الجزيرة نت (3 أغسطس 2023)، أشرف عناصر من ميليشيا الدعم السريع على عمليات توزيع منظّمة للأموال على الناخبين في النيجر خلال انتخابات 2020–2021، بتمويل قُدّر بنحو 20 مليون دولار، صُبّ مباشرة في حملة محمد بازوم. لم تكن تلك رشوة انتخابية بقدر ما كانت تجربة أولى لتصدير النمط الجنجويدي المقنن: صياغة النتائج عبر الذهب، ومنح الشرعية عبر السلاح، وإعادة تعريف السلطة من خارج مؤسساتها.
ولم تكن العلاقة بين بازوم وحميدتي تبادل مصالح، بل تبنّي نموذج. ففي تجاوز سافر للبروتوكول، وجّه بازوم دعوة مراسم تنصيبه لحميدتي، متجاهلًا رأس الدولة السودانية الفريق أول البرهان، في إعلان رمزي بأن منطق الميليشيا أصبح أكثر شرعية من الدولة ذاتها. لكن التجسيد الأخطر لهذا الانحراف كان في تأسيس وحدة “حرس رئاسي خاص” بإيعاز من حميدتي، على غرار البنية الميليشياوية للدعم السريع. تلك الوحدة، التي شُكّلت لتحصين القصر، سرعان ما انكشفت بنيتها الإثنية، المحكومة بولاءات قبلية لا مؤسسية.
هذا ليس تحالفًا سياسيًا، بل تمفصل إثني عابر للحدود. بازوم ينحدر من قبيلة “أولاد سليمان” التي تمتد من ليبيا إلى تشاد والنيجر، وهي تعتبر أحد أفخاذ “عرب ديفا” في النيجر والتي تعرف في السودان باسم المحاميد، وتشكل العمود الفقري لتجنيد الدعم السريع. وهكذا، تتقاطع الجغرافيا مع النَسب، ويُبنى المشروع لا على ميثاق وطني، بل على روابط قوميات عابرة للحدود تتجاوز مفهوم الدولة، وتعيد ترتيب الولاءات وفق منطق قبلي.
ومن النيجر وتشاد ومالي وأزواد موريتانيا، تحوّل تدفّق المقاتلين إلى آلية ممنهجة. لم يعودوا مرتزقة، بل أصولًا استراتيجية، مدفوعين بوعد الغنيمة، لا قضية وطنية. في الأسواق، غصّت نيامي وإنجمينا بالمنهوبات السودانية. تحوّلت الكارثة الإنسانية إلى ربحٍ تجاري لدى الجوار. الحرب صارت تجارة، والغنيمة سلعة.
لكن الخطر بدأ حين شرع حميدتي، وفق تقارير، في تجنيس أكثر من مليون من عرب الساحل، تمهيدًا لإعلان “دولة جنيد الكبرى”: من السودان إلى موريتانيا كيان ميليشياوي عابر للحدود، يتجاوز الدولة ليُعيد تشكيل الإقليم بوصفه امتدادًا للقبيلة لا للوطن، وللغنيمة لا للشرعية.
أمام هذا التوسّع الزاحف، التزمت فرنسا صمتًا ثقيلًا. رغم قواعدها العسكرية في النيجر، وتاريخها الطويل في هندسة الأنظمة “المستقرة” داخل إفريقيا الفرنكوفونية، وعملية “برخان” التي رفعتها شعارًا لمحاربة الإرهاب بدت فرنسا كمن ينتهج سياسة “العزل الناعم”: تفريغ جنوب الصحراء من التوتر، عبر تصديره إلى الجبهة السودانية المنهكة. لكن ذلك الصمت ساعد فعليًا في ترسيخ اقتصاد ميليشياوي عابر للقارات — يرتدي قناع الشرعية، ويتغذّى على انهيارها.
فرنسا لم تكن مراقبًا ساكنًا، بل لاعبًا يُمسك العصا من طرفيها: من جهة، فتحت ممرًا ناعمًا لتفريغ فضائها الفرنكوفوني من المرتزقة العرب، ضمن تطهير إثني غير معلن؛ ومن جهة أخرى، دفعت بهم نحو المحرقة السودانية، أداةً جاهزة في مشروع تفكيك السودان، لا سيما دارفور، ضمن هندسة أوسع تُعيد رسم الإقليم وتُجهز على ما تبقى من بنيانه السيادي. لقد ضربت فرنسا بذلك عصفورين بحجر واحد: تطهيرٌ مغلّف بالحياد، ومساهمة مموّهة في تمزيق الجغرافيا السودانية.
ورغم أن الإطاحة ببازوم عطّلت الواجهة السياسية، فإن البنية التحتية للمشروع كانت قد اكتملت. ما بدأ بتدخّل انتخابي، انتهى بتأسيس شبكة حرب تُدوّر الفوضى السودانية إلى أرباح إقليمية، وتُروّج لفكرة أن الميليشيا ليست أداة نزاع، بل وحدة تصدير لنموذج قابل للاستنساخ. وهنا تكمن خطورة النموذج النيجري: لم يكن طارئًا، بل مختبرًا لتسليع السيادة، وتجريب شرعنة الفوضى بأدوات ناعمة تتحدث بلغة الدبلوماسية، وتُهندس الخراب.
*كينيا — من منصة سلام إلى التواطؤ المُجرَّم*
لم تَعُد كينيا مؤهلة، لا منطقيًا ولا أخلاقيًا، لادعاء الحياد في حرب السودان، بعدما تحوّلت إلى حاضنة سياسية ولوجستية لمليشيا متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. الميثاق التأسيسي لميليشيا الدعم السريع لم يُصَغ في الميدان، بل وُلد في نيروبي، حيث صيغت خطابات “السلام والوحدة” كمراسم اعتراف سياسي موازٍ. ما جرى لم يكن وساطة، بل شرعنة بديلة خارج مؤسسات الدولة. فأي وسيط يفتح عاصمته لزعيم ميليشيا خاضع لعقوبات إبادة؟ وأي حياد هذا حين تُستخدم الأراضي لغسل الذهب، وعبور السلاح، ثم يُباع المشهد دبلوماسيًا؟ ما قدّمته كينيا تزكية صريحة لقد انتقلت من منصة الحوار إلى هندسة الإفلات، في شبكة تُقايض القانون بالتموضع، والحياد بالنفوذ.
لكن الأخطر من التواطؤ هو الانزلاق القانوني بانتهاكات مثبتة للقانون الدولي، منها:
*خرق قرار مجلس الأمن*
1591: (2005) القرار يحظر تزويد دارفور بالسلاح. وقد وثّق تقرير لجنة الخبراء S/2024/65)، الفقرة 41 (مسارات جوية من أبوظبي عبر المجال الجوي الكيني نحو مطار “أمجرس” في تشاد. هذا الخرق ليس عرضيًا — بل مادي ومثبت.
• *المساعدة والتحريض على جرائم دولية:* وفق القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي، فإن تقديم دعم لوجستي أو مالي، مع العلم بمآلاته، لأطراف متورطة في إبادة جماعية أو تطهير عرقي، يُعد تواطؤًا جنائيًا مباشرًا. وما قدّمته كينيا من منابر، ومسارات، وغطاء جوي بالإضافة إلى العثور على ذخائر موسومة بختم وزارة الدفاع الكينية لدى ميليشيا الدعم السريع في صالحه يندرج تحت هذا التصنيف.
• *انتهاك ميثاق الاتحاد الإفريقي:* منح الشرعية الضمنية لكيان ميليشياوي مع تغييب الحكومة السودانية المعترف بها، يُعد نسفًا مباشرًا لمبادئ الميثاق: احترام السيادة، عدم التدخل، وصون النظام الدستوري.
تحت قناع الوساطة، يُدار تبييض سياسي لميليشيا، يُنسَّق عبر الحدود، ويُسوَّق دبلوماسيًا، وتُعاد صياغة الحرب كرافعة نفوذ.
*استعادة السيادة — إعلان لا يقبل الوصاية*
لم يعُد موقف السودان نداءً، بل إعلانًا سياديًا واضحًا، يستند إلى القانون الدولي، والحق الطبيعي لكل دولة في تقرير مصيرها دون وصاية:
• استبعاد كينيا فورًا من أي وساطة تخص السودان: استمرارها كطرف “محايد” لا يُهدد مصداقية العملية فحسب، بل يُكرّس سابقة خطيرة في تبييض التواطؤ تحت غطاء دبلوماسي.
• رفض تام لأي تمثيل زائف باسم السودان: مع تجميد عضويته في الاتحاد الإفريقي وانسحابه من الإيغاد، فإن أي بيانات أو أطر تصدر باسمه دون حضوره تُعد باطلة شكلًا ومضمونًا. ولا لمن غذّى الحرب — كنظام أبو ظبي — أن يكتب نهايتها، ثم يُمنح مقعدًا في “الرباعية” باسم الوساطة.
• توسيع العقوبات الدولية لتشمل لا الميليشيا فقط، بل كل من موّلها وسلّحها وغطّاها سياسيًا وعلى رأس هؤلاء: نظام أبو ظبي وحكامه، الذين لا يقفون على هامش الجريمة، بل في قلبها، كفاعلين ميسّرين لاستمرار الإبادة.
السودان لا يطلب استثناءً — بل يُجسّد ما يحقّ لكل دولة ذات سيادة:
• حرمة أراضيه واستقلال قراره.
• كرامة شعبه وحمايته من التهجير والقتل.
• وحقه غير القابل للتصرف في رسم مستقبله بعيدًا عن الإكراه، أو الإملاء، أو الوصاية الإقليمية.
ولأولئك الذين يخفون أطماعهم الجيوسياسية خلف شعارات “بناء السلام”، نقول بوضوح:
• لا يمكنكم غسل الإبادة الجماعية بالحوار.
• لا يمكنكم استضافة زعماء الميليشيات الخاضعين للعقوبات وادعاء الحياد.
• لا يمكنكم الحديث عن الشرعية وأنتم تموّلون مغتصبيها.
*انتهى زمن الوهم*
لقد أثبت التاريخ أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده — بل تُدار عبر شبكات خفية، وتُغطّى برداء الدبلوماسية، وتُشرعن بصمتٍ مُتواطئ. وقد احتضنت كينيا أضلاع هذا الثالوث كاملة.
حان وقت إسدال الستار على المسرحية.
لا يمكن لأحد أن يتقمّص دور “صانع السلام” وهو يُموّل الخراب. ولا أن يدّعي الحياد وهو يُقلّ قادة الميليشيات على طائرات الدولة. ولا أن يُنادي بالسيادة وهو يقوّضها في ديار الآخرين.
انتهى عهد التواطؤ. لا بد من فك حصار الفاشر واستكمال المعركة حتى النصر. بعدها، نتفرغ للمحاسبة: من ساعد، ومن موّل، ومن شرعن. وللأطراف الإقليمية والدولية التي تتوهّم أن الإفلات من العقاب قدرٌ أبدي، وأن مآسي السودان ستظل محصورة في حدوده، نقول:
للتاريخ ذاكرة.
ويوم الحساب — إن تأخّر — سيأتي.
ويومًا ما سيحين دوركم… “بلوا رأسكم”
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com






