كبسولة وعي
صباح المكي:
رصاصة من الداخل:
الطابور السادس وتمزيق السودان
(2)..
خيانة ناعمة تمهّد للرصاص باسم “السلام” و”الحياد”..
الخطر يتجسّد في بيانات ومبادرات تُشرعن الميليشيا باسم “المدنية”.
السودان لا يحتمل التمويه ولا المزيد من السمّ المغلّف بالعسل.
من هو “اللَّهُو الخفي” الذي يُمسك بتلابيب الدولة، ويحمي الطابور..
*صباح المكي*
في الجزء الأول من “رصاصة من الداخل”، كشفنا ملامح الطابور السادس: خيانة ناعمة تمهّد للرصاص باسم “السلام” و”الحياد”. عرضنا مظاهره التسعة، وبيّنا أن مواجهته تبدأ بالوعي لا بالسلاح.
في هذا الجزء، ننتقل من التنظير إلى الواقع، ونسلّط الضوء على نماذج حيّة داخل مؤسسات الدولة — من يتماهون مع التمرّد أو يصمتون حين يجب الدفاع. فالخطر اليوم لا يتحرك في الظل فقط، بل يتجسّد في بيانات ومبادرات تُشرعن الميليشيا باسم “المدنية”.
لا مجال للرمادية، ولا لتحليل زائف، لأن السودان لا يحتمل مزيدًا من التمويه ولا مزيدًا من السمّ المغلّف بالعسل.
*١. النسخة الرسمية: الطابور السادس داخل الدولة*
• كما قال الفريق أول ياسر العطا بوضوح: “ما زال داخل الدولة عناصر من قحت والجنجويد”، وهو تصريح يكشف بجلاء أن الطابور السادس لا يُحيط بالدولة من الخارج فقط، بل يسري في شرايينها ويتنفّس عبر أذرعها الرسمية. كثيرون منهم ممّن تم تعيينهم في عهد حمدوك — سواء من قحت أو من الموالين للجنجويد — في مؤسسات ووزارات حيوية مثل وزارة الكهرباء، وبنك السودان، وحتى وزارة الخارجية لا يزالون في مواقعهم حتى اليوم. هؤلاء لا يتآمرون على الدولة كمجرد كيان نظري، بل يتآمرون على الشعب كحقيقة حيّة. يُصرّون على إذلال البلاد، وتعطيل مسار النصر، وتفكيك السيادة من الداخل.
• يستخدمون أدوات الدولة ضد الدولة، ويراهنون على تآكل الداخل لصالح قوى التمرد، والتمكين، والاستعمار الحديث.
• يتمثّلون في عناصر متغلغلة داخل مؤسسات الدولة الحيوية، بعضها من أبناء الأجهزة الأمنية ذاتها. يحتفظون بمواقعهم الرسمية، لكنهم يُفرغونها من مضمونها الوطني والمهني.
• يُمارسون ازدواجية سافرة: يُظهرون الولاء للدولة علنًا، بينما يعملون سرًا على شرعنة الميليشيا عبر تقارير داخلية، وبيانات ملغّمة، و”رسائل طمأنة” للخارج تُساوي بين الدولة والتمرد.
• لا يردّون على أي انتهاك لسيادة السودان، ولا يصدر عنهم موقف حين تُهان كرامة البلاد في المحافل الدولية، لكنهم يتفنّنون في تشويه صورة الجيش، وضرب الروح الوطنية، والتقليل من تضحيات الشعب.
• يُسهمون في شلل القرار السيادي، ويُعطّلون الرد الرسمي على الدول المتورطة في الحرب، ويمارسون إذابة ناعمة للفوارق بين مؤسسات الدولة وأعدائها، كأنهم يُديرون الدولة بمنطق “الدبلوماسية الخائنة”.
*ويبقى سؤالٌ مُلِحّ معلّق في عنق الحقيقة:*
من هو ذلك “اللَّهُو الخفي” الذي يُمسك بتلابيب الدولة، ويحمي الطابور السادس داخل مؤسساتها؟
من يُعطّل القرارات السيادية، ويمنع تطهير الأجهزة من العناصر المتواطئة؟
من يمنحهم الغطاء، ويُبقيهم في مواقعهم رغم انكشاف دورهم التخريبي؟
أهم أفراد نافذون في الدولة؟ أم شركاء صامتون في مشروع أكبر؟
من هو ذلك الذي يتحاشى مجلس السيادة — وهو أعلى سلطة في البلاد — على مواجهته أو اتخاذ موقف حاسم منه؟
لماذا هذا الصمت المستمر؟ ولمصلحة من؟
أم أن هناك مظلّة أوسع… تُدير اللعبة من خلف الستار؟
فقط نتساءل. فهل من مجيب؟
*٢ بيانات ملوّنة وجوازات مزدوجة: أدوات ناعمة لتبييض التمرد واستباحة السيادة*
من “قحت” إلى”تقدّم” و”صمود” إلى “تأسيس” وكل الكتل المدنية الأخرى، جميعها امتدادات لبقايا قحت — تختلف الأسماء وتتعدّد الواجهات، لكن الهدف واحد: تبييض صورة ميليشيا الدعم السريع، وتفكيك مؤسسات الدولة من الداخل، والقضاء على المؤسسة العسكرية. تُقدَّم هذه المبادرات بخطاب “مدني”، لكنها في جوهرها تمرير ناعم لمشروع سياسي موازٍ للشرعية الوطنية، يُدار من غرف مغلقة وأراضٍ افتراضية، بلا تفويض شعبي، ولا مرجعية دستورية.
أما أصحاب هذه المبادرات — من منظّري “التسوية”، ومروّجي “المدنية التوافقية”، إلى رموز بيانات “لا للحرب” — فقد خرجوا من المعابر السودانية، وعبروا المطارات والحدود الرسمية تحت نظر الدولة، دون توقيف، دون مساءلة، وكأنهم لا يُشكّلون خطرًا على الأمن القومي، وكأنهم لم يشرعنوا التمرد، أو يبرّروا الإبادة، أو يطعنوا في الجيش.
يتحرّكون في الخارج بجوازات سفر سودانية — على حدّ علمنا، يهاجمون الدولة علنًا ويُقدَّمون كـ”قادة مدنيين” في مؤتمرات دولية تُعيد تدوير التمرد تحت غطاء “السلام”.. لكن السؤال البديهي: هل هذه جوازاتهم الوحيدة؟
فإن كانوا يستخدمون جوازاتهم الأجنبية، فبأي حق يتحدثون باسم السودان؟ تلك الجوازات التي تفتح لهم أبواب المؤتمرات والصفقات. كيف يُسمح لهم باستغلال الهوية السودانية حين يريدون الشرعية، ثم التلويح بجنسياتهم الأخرى عندما يقترب شبح المساءلة؟
وإن كانوا يستخدمون الجواز السوداني، فأين موقف الدولة؟ كيف تُترك السيادة تُنتهك باسم “المدنية”، دون ردّ، دون مساءلة؟ أليس هذا تفريطًا يُقرأ — في نظر العالم — كعجز، أو حتى موافقة ضمنية؟
أين موقف الدولة من الدول التي تمنحهم المنابر وتحتضن خطابهم العدائي للجيش والدولة؟
لا شيء!!!
صمتٌ مريب ، وسكوتٌ طويل لا يليق بسيادة تُنتهك.
— *عندما تُدافع الدول عن كيانها أمام المعارضين الخارجين*
السودان ليس استثناءً اذا ما سعى لحماية سيادته من عبث المعارضين المتمترسين في الخارج؛ فدول كبرى سبقتنا في اتخاذ مواقف حازمة تجاه كل من يحاول النيل من كيانها أو استغلال أدواتها لتقويضها. الدول ذات السيادة لا تسمح بأن تُتخذ جوازاتها مطيّة لتخريب مؤسساتها، أو أن يُستثمر ترابها كمنصة لتشويهها.
• السعودية، في أغسطس 2018، قطعت علاقاتها مع كندا، وطردت سفيرها، وجمّدت التبادل التجاري — وكل ذلك بسبب *تغريدة* انتقدت اعتقال ناشطات. لم تنتظر “تسوية سياسية”، بل اتخذت موقفًا صارمًا، مؤكدة أن الكرامة الوطنية لا تُخضع للتفاوض.
• مصر، منذ 2013، مارست ضغوطًا مباشرة على دول مثل قطر وتركيا وبريطانيا، مطالبة بإغلاق منصات الإخوان أو تسليم شخصيات فارّة. ورغم اختلاف الأيديولوجيات، لم تتنازل عن حقها في الدفاع عن أمنها القومي.
• تركيا، بعد محاولة الانقلاب في 2016، جعلت “الكيان الموازي” محور سياستها الخارجية. طالبت علنًا بتسليم عناصر غولن، ولوّحت بقطع العلاقات مع الدول الداعمة لهم. حتى كوسوفو تعرّضت لضغط مباشر بسبب احتضانها مؤسسات غولنية، فأنقرة لم تصمت.
فكيف تُلام الخرطوم — وهي تواجه حربًا وجودية ضد مشروع ميليشياوي مدعوم خارجيًا — إن طالبت الدول باحترام سيادتها؟ بل كيف يُبرّر صمتها أمام من يتنقلون بجوازاتها الرسمية، بينما يهاجمون الجيش، ويُسوّقون للميليشيا، ويُؤطرون للفوضى كخيار”مدني”؟
الجواز ليس مجرد وثيقة عبور، بل مرآة لكرامة الدولة. ومن لا يحمي كرامته، لا يلوم من يعبث بها. والسيادة التي لا تُحمى، تُستباح.
*٣. شخصيات عامة ومنظمات “مدنية” بتمويل خارجي*
كما صرّحت رشا عوض، الناطقة السابقة باسم “صمود” — أو “تقدّم”، أو أي مسمّى آخر من تلك المبادرات المتبدّلة كالتمويل الذي يغذيها — بأنهم تلقّوا دعمًا من منظمات أمريكية وكندية تحت لافتة “دعم الديمقراطية”، دون توضيح لطبيعة الأنشطة أو مآلاتها.
وفي سياق حرب وجودية، تتحوّل “الديمقراطية المموّلة” إلى أداة تشويش وتفكيك، لا إلى مشروع وطني.
هنا يبرز سؤال:
أين الجهات القانونية والرقابية من هذه الاعترافات العلنية بتلقّي تمويل أجنبي في لحظة حرب؟ أليست مثل هذه الأنشطة، في حدّها الأدنى، خاضعة للمساءلة والمحاسبة؟
وفي ظل هذا العبث، والتحرّك الحرّ لمن شرعنوا التمرّد، وهاجموا الجيش، وتلقّوا دعماً خارجياً علنياً، يظهر سؤال آخر لا يقلّ إلحاحًا:
*أين وزارة الخارجية؟ وأين وزارة العدل؟*
أين هي من الدول التي تمنح هؤلاء المنابر للهجوم على الدولة السودانية؟
وأين هي من التنسيق العلني مع منظمات تموّل الفوضى تحت لافتة “الديمقراطية” و”المدنية”؟
كيف تصمت مؤسسات يُفترض أنها خط الدفاع الأول عن سيادة القانون، بينما تُسوّق مشاريع تفكيك الدولة في وضح النهار بلا مواربة؟ هل تحوّلت هذه الوزارات إلى ديكور صامت؟ أم أن في داخلها من يعطّل دورها عمدًا؟
ثم يبرز السؤال المتكرر والأشدّ إلحاحا:
هل طالبت الخرطوم رسميًا تلك الدول بتسليم المعارضين الذين شرعنوا التمرّد وحرّضوا على الدولة من الخارج؟
هل وُجّهت ضدهم بلاغات جنائية؟ هل فُعّلت آليات الإنتربول أو الملاحقة الدولية بجدّية، أم كذرّ للرماد في العيون؟
وإن كانت تلك الخطوات قد اتُّخذت فعلًا، فلماذا لم تُثمر؟ ولماذا لا تزال تلك الشخصيات تتنقّل بحرّية، وتُستقبل في المحافل الدولية بصفتها “مدنية”، بينما أفعالها لا تقلّ خطرًا عن حاملي السلاح؟
أم أن الصمت ظل هو السياسة المتّبعة، فاتحًا لهم الطريق للطعن في السيادة باسم السودان، دون تفويض؟ وإن لم تُفتح هذه الملفات بعد، فكيف يُفهم هذا الصمت؟!
أهو عجز دبلوماسي؟ أم أن هناك من داخل الدولة من ينتظر “تسوية” يُعاد فيها تدوير الخيانة على هيئة مشروع مدني جديد؟
*ختام: من الداخل أيضًا تُخترق الدولة*
ما استعرضناه في هذا الجزء ليس تحليلًا نظريًا، بل واقعًا نابضًا داخل جسد الدولة. نماذج حية من الطابور السادس داخل مؤسسات الدولة. وطرحنا جملة من التناقضات الصارخة وتساؤلات مشروعة لم نجد لها إجابات حتى اللحظة. تساؤلات لا بد أن تُطرَح علنًا، وتُواجَه بقرارات شجاعة لا تجاهلًا ولا تهرّبًا. نحن لا نكتب للتشكيك، بل لأننا نؤمن أن هذا الشعب يستحق دولة وقيادة بحجم تضحياته، وقرارًا يليق بمن بذل دمه دفاعًا عن الأرض والعِرض.
السودانيون بعد 15 أبريل 2023 ليسوا كما قبلها. لم نعد من أصحاب “عفا الله عما سلف”، ولا نملك ذاكرة سمكية تُسقط الخيانة بالتقادم وتُبرّئ المتآمرين.
من خان اليوم، سيخون غدًا. ومن صمت اليوم، قد يبيع غدًا.
ولهذا، فإن معركتنا تبدأ بالوعي… ولا تكتمل إلا بالمحاسبة.
وفي الجزء الثالث، ننتقل إلى جبهة لا تقل خطورة: إعلام الطابور السادس — حيث تُقدَّم الخيانة في ثوب التحليل، وتُسوّق الهزيمة كواقعية، ويُشرعن الانبطاح باسم “السلام”.
وهناك نطرح السؤال الحاسم: كيف نواجه الطابور السادس؟!
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com






