كبسولة وعي
صباح المكي:
رصاصة من الداخل:
الطابور السادس وتمزيق السودان (3)..
قوى تُفرغ مفاهيم الوطنية، وتربك الوعي تحت لافتة “الحياد” و”المدنية”.
هل يمكن لدولة أن تنتصر وجبهتها الإعلامية مخترقة؟!!
وهل يُعقل أن نحارب العدو فى الميدان ونسلّمه عقول الناس في نشرات الأخبار؟
*الطابور السادس في الإعلام: نماذج من وجوه الخداع وأجندات التشظي*
في الجزء الأول، كشفنا ملامح الطابور السادس كأخطر أشكال الخيانة الناعمة: قوى تتسلل من الداخل، تُفرغ مفاهيم الوطنية، وتربك الوعي تحت لافتة “الحياد” و”المدنية”.
وفي الجزء الثاني، تتبّعنا اختراقه لمؤسسات الدولة عبر تعيينات مشبوهة وبيانات رمادية، حيث تسلّلت الخيانة إلى قلب الجهاز العام تحت غطاء رسمي.
اليوم، نفتح جبهة الإعلام — حيث لا تُطلق النار، بل يُدار التمرد والتآمر من خلف القلم والمايكروفون.
فهل يمكن لدولة أن تنتصر وجبهتها الإعلامية مخترقة؟
وهل يُعقل أن نحارب العدو فى الميدان وعلى الحدود، بينما نسلّمه عقول الناس في نشرات الأخبار؟
الطابور السادس لم يعد يختبئ: إنه يتحدث، يكتب، ويُعيد تشكيل الوعي من الداخل.
*السم في قالب الرأي*
صحفيون ومؤثرون اجتماعيون يروّجون للفرقة، يدسّون السم في العسل، وينفثون سمومهم في جسد الوطن تحت لافتات مثل “الرأي والتحليل” و”كشف الفساد”، بينما هم في الحقيقة يُمعنون في ضرب الوحدة الوطنية ببلاغة الخداع.
هذا الخطاب الإعلامي لا يُمارَس عن جهل، بل عن قصد. لا يُعبّر عن رأي حر، بل يُؤدي وظيفة ممنهجة: تفتيت الانسجام الداخلي عبر التظاهر بالحياد والنزاهة، في الوقت الذي يُعاد فيه إنتاج الفوضى تحت غطاء “النقد” و”الاستقلالية”.
مقالات ركيكة، مشبوهة كأصحابها، هزيلة كالأقلام التي خطّتها. لا تعكس فكرًا، ولا تحمل مضمونًا، بل تفضح أمرًا واحدًا فقط: أنها ليست نتاجًا فكريًا، بل صنيع التمويل. كتابات تتشكّل على هوى المموّل، لا على ضمير الكاتب. عجينة طيّعة في يد من يدفع أكثر — وربما، على طريقة “السي دي معايا” بصوت المستشار مرتضى منصور، يُذعنون ويرتّلون الخنوع طوعًا.
إنها ليست خيانة فكر فحسب، بل خيانة مهنية سافرة. فالكتابة حين تُختزل إلى خدمة مدفوعة، والمقال إلى وثيقة توجيه، تسقط الأمانة الصحفية في مستنقع الانحطاط. وهم لا يجهلون خطورة ما يفعلون، بل يدركونه جيدًا، ويستمرون لأنهم محميّون ومموّلون. بعضهم لا يكتب، بل يُكتب له. وآخرون تُملَى عليهم التعليمات كما تُوزّع المنشورات في الخفاء. مشهد عبثي، أقرب إلى فيلم “هندي مخرج ميت”. والطريف المبكي أن الكاتب والمخرج والممثل جميعهم من ذات المدرسة القديمة: من أيام “البوليس اللابس رِدا”، حيث تُكتب النصوص في مكاتب الأمن وتُعرض على خشبة الإعلام.
لكننا لا نتحدث عن عرض كوميدي، بل عن مشهد دموي. مسرحية حقيقية تُكتب فصولها في أروقة الاستخبارات الإقليمية، ويُوزَّع ممثلوها في الفضاء الإعلامي، بينما هي في الواقع منصات لحرب ناعمة تُستكمل بها المهام العسكرية والسياسية للميليشيات.
*التسريب الصحفي: الوجه الناعم للطابور السادس*
ثمّة فئة أخرى أكثر خطورة، احترفت ادّعاء “السبق” و”الانفراد”، تتعامل مع ما تسميه “تسريبات حصرية” وكأنهم ذباب على جدران الاجتماعات، أو جواسيس يطيرون في العتمة. كتابات يدّعي أصحابها أنهم حصلوا على “معلومات من خلف الأبواب”، وكأنهم ذباب على جدران غرف الاجتماعات، أو جواسيس يطيرون في العتمة.
يتحدثون بثقة من يعرف خفايا الأمور، ويُسقطون في أذهان الناس روايات غير قابلة للتحقق، لكنها مشبعة برسائل سياسية مشفّرة، انفصالية في الأثر، وخبيثة في التوقيت. تُنشر بعناية، وتُفخخ بالعناوين، وتُوزَّع كأنها الحقيقة الكاملة.
ولنفترض جدلًا أن بعضها صحيح — فهل الصحافة تُستغل لبثّ الشك، وتفكيك الثقة، وصناعة رواية “نحن وهم”؟ أليس ذلك هو جوهر التخريب الناعم؟أليست هذه أدوات حرب تُدار بالأقلام بدل الرصاص؟
كل “تسريب” في هذا النموذج ليس إلا سهمًا مسمومًا: يشكّك في الجيش، ويطعن في الشركاء، ويروّج لفكرة اللا دولة. لكن جوهر المسألة لا يكمن فقط في محتوى ما يُقال، بل في سياق استخدامه: توقيت النشر، الجهة التي تضخّمه، والمنصة التي تعيد تدويره.
فمن المستفيد؟ ولمن تُوجَّه هذه السموم؟ ألهذا الشعب الذي يُذبح من الخرطوم إلى الجنينة؟ أم لتجديد الولاء في غرف التمويل الخارجي ومراكز التضليل الإعلامي، تحت رعاية الطابور السادس المتخفّي داخل المؤسسات؟
المؤلم أن أصحاب هذه الأقلام ليسوا مغمورين. إنهم صحفيون معروفون، بأسماء لامعة. يعرفون وزن أقلامهم، ويستخدمونها في الاتجاه الخطأ.
فما الثمن؟ وما الصفقة؟ ما المكسب؟ ومتى قررتم أن تكونوا أدوات تشويش بدلًا من أعمدة وعي؟ أما تساءلتم يومًا عن مسؤولية الكلمة؟ أما خطر ببالكم معنى توحيد الجبهة الداخلية في زمن الحرب؟
لا تستخفوا بالعقول. “التسريبات” — إن صحت — ليست لغزًا غامضًا. يمكن تتبّع مصادرها، ومن يستخدمها لتوجيه الرأي العام وفق أجندة سياسية خبيثة.
فكفى نفاقًا… واسحبوا أصابعكم من الوحل الذي تورّطتم فيه. أنتم لستم جزءًا من الحل، بل امتدادًا ناعمًا للمشكلة.أفيقوا. أنتم لا تراقبون السلطة… بل تخدمون سلطة أخرى، من نوع أكثر خفاءً وخطورة.
*هزل المُسرَّب ومقاولو الثورة: مشهد للبيع*
وهنا نصل إلى المشهد الأكثر إثارة للشفقة، محاولات الضحك على العقول: ذلك المقطع المسرّب المصنوع بعناية، يُقال إنه لاجتماع “صمود” مع “ناشطين” أو “لجان مقاومة”.
أي مقاومة؟ الحقيقة أن لا هؤلاء ثوّار، ولا تربطهم بالمقاومة أدنى صلة — ولا حتى بشرف الموقف.
فرجال المقاومة الحقيقيون اليوم في الخنادق، في الميدان، يقاتلون دفاعًا عن الوطن، الأرض، والعِرض — لا في مقاهي الفنادق، ولا في “ورش التقييم الذاتي” المموّلة.
ما نراه هنا عرض مسرحي فاشل: مجموعة من المنتفعين، والمتسلقين، والمتشدّقين، يتذاكون على الناس بخطابات مصقولة من ورش المانحين: “نقد ذاتي”، “عودة للشارع”، “مراجعة التجربة”… وكأنهم لم يكونوا جزءًا من الخراب، ولا شركاء في التمكين للميليشيا التي دمّرت السودان! هل الآن فقط أدركوا فشلهم؟ وأين كانوا حين سقطت الخرطوم؟ حين بُقرت بطون النساء في دارفور؟ حين أُحرقت أم درمان؟
وسواء كانت المنصة “ثمود”، أو “تقزُّم”، أو “تخريب” — فكلّها أسماء ملوثة خرجت من نفس المستنقع: أحزاب قديمة جُبلت على الخيانة، وأخرى جديدة صُنعت في معامل الخارج، تدّعي النقاء الثوري، بينما تعيش على فتات الكفيل.
لكن الحقيقة أوضح من كل مسرّب: كلكم إلى مزبلة التاريخ.
هذا الشعب، الذي ذاق المرّ، لن يُخدع بعد اليوم بخطابات مصقولة ولا تسريبات موجهة. يعرف من يقف معه، ومن يعتلي مأساته ليحجز مقعدًا في موائد الكفيل. ما نشهده ليس إعلامًا، بل سيركًا سياسيًا قذرًا على جثث السودانيين والمهرجون فيه، بأسماء “محللين”، و”ناشطين”، و”مدنيين”، ما زالوا يؤدّون فقراتهم برعاية الكفيل…وما زالوا يتنقّلون بجوازات سودانية… لا يستحقونها.
*كيف نواجه الطابور السادس؟*
*١. الوعي الإعلامي والأمن الرقمي:*
الطابور السادس لا يُطلق النار، بل المفردات المسمومة التي تُساوي بين الضحية والجلاد وتُفرغ الوطنية من مضمونها. يُمارَس التخدير لا بالقمع، بل بلغة مخففة تتكرر حتى تُصبح مألوفة وتُسوّق على أنها توازن. وهنا تبرز مهمة الإعلام الوطني: فضح هذا الخطاب وتفكيكه لا مجاراته. فالحرب الإعلامية تقتل من الخلف: تُربك الصفوف، تُضعف المعنويات، وتُبدّل الاصطفاف داخل العقول. لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مساحة عادية، بل جبهة حرب متكاملة تُستخدم فيها الحسابات الوهمية والبث الممنهج لتشويه الجيش وتمزيق الجبهة الداخلية.
المطلوب: غرفة عمليات سيبرانية متخصصة في الرصد والرد السريع، لأن من يسيطر على السوشال ميديا، يملك الرأي العام — ومن يفقدها، يخسر الأرض دون أن يُطلق رصاصة.
*٢. التسمية الدقيقة وبناء الخطاب الوطني:*
المعركة تبدأ من اللغة؛ من لا يسمّي الإبادة باسمها، يُبرّرها، ومن يُجمّل الميليشيا، يمنحها شرعية زائفة. فاللغة في زمن الحرب ليست محايدة، بل خندق وموقف. وكل مصطلح مخفف هو خيانة لدماء الشهداء وتضليل للوعي الجمعي. ومن يساوي بين الجيش والميليشيا، ويقدّمها كشريك سياسي، ليس محايدًا، بل شاهد زور في محكمة التاريخ.
ولذلك، نحن لسنا في مرحلة إعادة تأهيل مفاهيم الغرب، ولا في سوقٍ للمصطلحات المستوردة. نحن في معركة لتحصين الذاكرة الوطنية، وبناء خطاب ينبع من الميدان لا من مكاتب السفراء. خطابٌ يُعيد الاعتبار للثوابت: الجيش هو درع الدولة، والميليشيا كيان عدواني يجب اجتثاثه لا التفاوض معه. لا تسويات على جثث الشهداء، ولا شراكة مع القَتَلة تحت أي لافتة.
*٣. محاصرة تمويل الطابور… ولا مناصب للرماديين.*
المعركة لا تُحسم في الميدان فقط، بل أيضًا في تتبّع المال والأدوار. لا بد من كشف شبكات التمويل المشبوه التي تُغذي الحملات الإعلامية المضلّلة وتدعم “نشطاء” يعملون بأجندات أجنبية. من يتقاضى مالًا لنشر الفوضى لا يُعد فاعلًا مدنيًا، بل عميلًا مموّلًا يجب فضحه ومحاسبته.
وفي السياق ذاته، لا بد من تحصين مؤسسات الدولة من الداخل. فالدولة يجب أن تُنظّف من الفاسدين ومن عناصر الطابور السادس الذين تسللوا إلى الوزارات والقنوات والسفارات. لا مكان لمن طعن الجيش أو شرعن التمرد في أي وظيفة عامة. الوطنية ليست شعارًا، بل سلوك وموقف يُختبر في اللحظات المصيرية.
*٤. وزارة الإعلام: المعركة لم تعد إعلامية، بل سيادية*
يجب على وزارة الإعلام أن تتخذ موقفًا حازمًا تجاه القنوات الأجنبية التي تبث من داخل السودان وتروّج لخطاب معادٍ للدولة. فهي لم تعد “مراقبًا محايدًا”، بل تحوّلت إلى أداة ناعمة للطابور السادس: تسوّق التمرد، تشوّه الجيش، وتُهندس الانقسام باسم “التوازن الإعلامي”. الإعلام الذي يخترق من الداخل أخطر من الطائرات المسيّرة — لأنه لا يُرى، لكنه يُربك الصفوف ويُخدّر العقول. والأخطر أن هذه القنوات تُعامل السودان بمعايير مزدوجة: تُجرّم انتقاد أوضاع بلدانها، بينما تعبث بسيادتنا دون حسيب أو رقيب. المعاملة بالمثل لم تعد خيارًا، بل واجبًا سياديًا. فإما التزام بالسيادة… أو الرحيل.
وهنا نُذكّر بالمكالمة الأخيرة لوالي غرب دارفور، المرحوم /خميس عبد الله أبكر، التي تحدّث فيها صراحة عن الإبادة الجماعية واتّهم “الدعم السريع” مع من كانت المكالمة؟ ولماذا أُصرّ على إبقائه على الخط لسماع صوت الرصاص؟
وبعدها بساعات، خُطف، قُتل، ومُثّل بجثته. هل كانت صدفة؟ أم أن إبقاءه على الخط كان وسيلة لتتبع موقعه؟ ما لكم كيف تحكمون؟
*وختاما*، يا أيها اللهو الخفي، أما آن الأوان لإسدال الستار؟ لن تنجح مساعيك.
إلى جيشنا الباسل: نجدد العهد ونحارب معكم حتى اجتثاث الميليشيا. وعهدكم معنا: لا بقاء لها، ولا تسويات سياسية، #بل_بس حتى النصر، بإذن الله.
فلتكن يقظتنا بحجم التحدي، فمَن يعجز عن تسمية العدو، سيتحوّل يومًا إلى ممرّ له. وفي زمن الحرب، لا حياد مع الخيانة، ولا وطن يُبنى في حضن المتآمرين.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com






