كبسولة وعي صباح المكي: خلف الستار: كيف يُستحمَر الوعي في الإعلام والسياسة؟ (1) معركة اليوم لم تَعُد فقط على الأرض، بل على الإدراك..

كبسولة وعي
صباح المكي:
خلف الستار:
كيف يُستحمَر الوعي في الإعلام والسياسة؟ (1)

معركة اليوم لم تَعُد فقط على الأرض، بل على الإدراك..

الاحتلال ينفذ مشاريعه بنخب مُعلّبة، إعلام مُمنهج، وسرديات مصنّعة..

السلطان بات يبني على تزييف الإدراك وتخدير الوعي وتسويق الأكاذيب

*صباح المكي*

*تمهيد: تفكيك منظومة الخداع الجماعي*
لم يعُد الاستعمار الحديث بحاجة إلى الانقلابات الدموية أو الاحتلال المباشر لفرض السيطرة، فقد بات يُنفّذ مشاريعه بأدوات ناعمة: نخب مُعلّبة، إعلام مُمنهج، وسرديات مصنّعة تُبدّل الوعي قبل الأنظمة.

في عالم اليوم، يُصنَع الطغاة والساسة لا في ميادين السياسة، بل في غرف العلاقات العامة وأروقة الاستخبارات. يُروَّجون عبر مؤتمرات براقة، ويُمرَّرون إلى الشعوب تحت شعارات فضفاضة مثل “الواقعية السياسية” و”المسارات التوافقية”، مدعومين بمنصات إعلامية ومؤتمرات دولية تُهندس القبول.

لقد دخلنا مرحلة جديدة من الطغيان، لا يُبنى فيها السلطان على القهر الصريح، بل على تزييف الإدراك وتخدير الوعي وتسويق الأكاذيب في عبوات أنيقة، إنها صناعة الاستبداد الناعم، حيث تُمارَس السلطة لا بالعنف، بل بثلاث أدوات متشابكة: الخطاب، الصورة، والمعلومة.

*كيف يُعاد تشكيل وعي الجماهير من شريعتي إلى بيرنيز وتشومسكي؟*

في هذا المقال، نحلل ثلاث نظريات مركزية تُفسّر هذه الظاهرة:
١. نظرية الاستحمار السياسي كما صاغها المفكر الإيراني علي شريعتي؛
٢. نظرية البروباغندا كما أسّسها إدوارد بيرنيز، مهندس الرأي العام الحديث؛
٣. نظرية “الإجماع المصنّع” كما حلّلها نعوم تشومسكي، أحد أبرز نقّاد الإعلام عالميًا.
ثم نُسقط هذه النظريات على الحالة السودانية، باعتبارها واحدة من أكثر النماذج وضوحًا في تطبيق هذه المنظومات الخادعة — حيث تُخاض حرب ناعمة على وعي الشعب، يُعاد فيها تقديم المجرمين كصانعي سلام، وتُستبدل الحقيقة بعروض إعلامية، والمقاومة بخيانة مغلّفة.

هذا التمهيد يفتح الباب لفهمٍ أعمق: أن معركة اليوم لم تَعُد فقط على الأرض، بل على الإدراك — ومن يربح معركة الوعي، يربح معركة المستقبل.

*١. علي شريعتي: الاستحمار كأداة لإخراج الشعوب من التاريخ*

في محاضرته الشهيرة “النباهة والإستحمار “، قدّم المفكر الإيراني علي شريعتي مفهومًا عميقًا لأحد أخطر أدوات السيطرة: الاستحمار بوصفه تجهيلًا ممنهجًا يُقصي الإنسان من التاريخ ويُقحمه في هامش السكون والانفعال.

الجهل عند شريعتي ليس نقصًا في المعلومات، بل تغييبًا متعمدًا للوعي يُنتج شعوبًا منفصلة عن مصيرها.
وقد ميّز شريعتي بين شكلين للاستحمار:

١. الاستحمار التجهيلي: عبر تشويه التاريخ، تغييب الوعي النقدي، تحويل الأنظار عن القضايا الجوهرية، وإقصاء الأولويات الحقيقية لصالح ملفات هامشية وتكريس الطاعة العمياء باسم الدين أو المصلحة.
٢. الاستحمار الإلهائي: عبر إلهاء الناس بقضايا ثانوية أو جدالات شكلية تُبعدهم عن معاركهم المصيرية، أو تُغرقهم في خطابات فارغة.
يقول شريعتي:

*_”الاستحمار الحقيقي هو أن تُشغل الناس بما لا يعنيهم، ليغفلوا عمّا يعنيهم.”_*

وفقًا لهذه الرؤية، فإن الخطابات التي تساوي بين الجلاد والضحية، أو تُروّج لـ”حلول وسط” تُشرعن الاستسلام باسم “الاستقرار”، ليست دعوات سلام، بل أدوات تخدير فكري تُفرغ الشعوب من وعيها وتعيد إدماجها في مشروع إخراجها من التاريخ.

فالاستحمار، كما صوّره شريعتي، ليس طارئًا أو عارضًا، بل منظومة تُدار بعناية لإنتاج شعوب لا تسأل، ولا تُحاسب، ولا تُقاوم — شعوب تتأقلم مع القهر وتُزيّن القيد باسم “الحكمة”.

*٢. إدوارد بيرنيز: حين تُباع الأكاذيب في عبوة أنيقة*

يُعدّ إدوارد بيرنيز الأب المؤسس لـ”علم العلاقات العامة”، وقد مزج بين علم النفس الجماهيري والدعاية السياسية، وعمل لصالح حكومات وشركات كبرى لتشكيل الرأي العام حسب الطلب، لا حسب الحقيقة.
في عام ١٩٢٨، نشر كتابه الشهير “البروباغندا”، واضعًا فيه حجر الأساس لفهم الإعلام كأداة هيمنة لا كوسيلة توعية. لم يُخفِ بيرنيز رؤيته النفعية الجذرية؛ إذ أعلن صراحةً أن الشعوب لا تملك وعيًا حرًا، بل يمكن تصميمه وتشكيله. الإقناع، في نظره، ليس فنًا نبيلًا أو وسيلة تواصل، بل أداة سلطة تتفوّق على الجيش والشرطة في فرض السيطرة.

بحسب بيرنيز، النخبة التي تُجيد استخدام الإعلام قادرة على صناعة الإدراك الجمعي لا نقله. فالصورة، في رأيه، لا توثق الحقيقة، بل تعيد اختراعها. كل ما يتطلبه الأمر: إخراج جيد، وسيناريو مُحكم، ووسيلة إعلام متواطئة.

كتب قائلًا:
*_”نحن نحكم، ونشكّل عقول الناس، ونوجّه أذواقهم، ونقترح لهم أفكارهم… من خلف الستار.”_*

ولذا، حين يظهر قائد ميليشيا متورّط في الإبادة الجماعية، مرتديًا بدلة أنيقة، يتحدث عن “السلام”، بينما تُحفر المقابر خلف الكاميرا — أو حين يطلّ سياسي خائن يتحدث بلغة ناعمة عن “الانتقال المدني” و”الحوكمة” و”المسار الديمقراطي”، فقط لأنه يُشبه الصورة المطلوبة، لا الواقع الذي دمّره — فاعلم أن بيرنيز حاضر بكامل أدواته وخبثه، مختبئًا خلف النشرات، يُعاد تدوير الجلاد كـ’رجل دولة عصري’ بإخراجٍ احترافي “.وهكذا، لم تَعُد الحقيقة ما يُقال، بل ما يُعرَض بإخراج جيّد.

*٣. نعوم تشومسكي: الإجماع المصنّع كأداة للهيمنة*

في مشروعه الفكري حول الإعلام والدعاية، يقدّم نعوم تشومسكي – خصوصًا في كتابيه “صناعة القبول: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام” (بالاشتراك مع إدوارد هيرمان)، و”السيطرة على الإعلام: الإنجازات الهائلة للدعاية” – تحليلاً عميقًا لكيفية عمل الإعلام في المجتمعات الليبرالية الحديثة، بوصفه أداة للهيمنة الناعمة لا للتنوير.

فهو لا يتحدث عن مؤامرة بالمعنى الضيق، بل عن بنية ممنهجة تُنتج الإجماع المجتمعي وفقًا لمصالح النخبة، حيث لا يُلغى الواقع، بل يُعاد تشكيله، ولا تُقمع الحقيقة، بل تُنتقى، وتُعاد تغليفها لتبدو موضوعية.
يشير تشومسكي إلى أن الإعلام لا يعمل كسلطة رقابية مستقلة، بل كـ”فلتر” يُمرر ما يناسب السلطة السياسية والاقتصادية. ويفكك ما يُعرف بـ”نموذج الدعاية” الذي يقوم على خمس آليات رئيسية:

١. ملكية الإعلام من قِبل شركات ضخمة متداخلة المصالح مع النخب؛
٢. الاعتماد على الإعلانات كمصدر تمويل رئيسي ما يُقيّد الاستقلالية التحريرية؛
٣. الارتهان للمصادر الرسمية في جمع الأخبار (الوزارات، مراكز النفوذ )؛
٤. استهداف الأصوات المعارضة بالتهميش أو التشكيك؛
٥. وأخيرًا، خلق “عدو دائم” لحشد الإجماع، سواء أكان الإرهاب أو الفوضى أو الإسلام السياسي.
وفي هذا السياق يقول تشومسكي:

*_”الدعاية في الديمقراطيات الحديثة، هي ما تمثّله العصا في الأنظمة الشمولية.”_*

بهذه الآلية، لا تحتاج الأنظمة إلى القمع المباشر، بل يكفي أن تُشغل الجمهور بسرديات مشوّشة، فتُصوَّر الإبادة كـ”نزاع داخلي”، ويُمنح المجرم لقب “قائد سياسي”، وتُساوى الضحية بجلادها باسم “الحياد” على طاولة الحوار.

إنها هندسة للرأي العام لا نقله؛ صناعة مُعلبة للقناعات تُنتَج في غرف تحرير مرتبطة بمراكز القوة. فيُمنح الجلاد منبرًا، وتُدفن الضحية تحت ركام “التوازن الإعلامي”.

ما يحدث في السودان ليس استثناءً. فالنمط نفسه يتكرر — بشكل متفاوت — في فلسطين، وسوريا، وليبيا، واليمن… إلخ. هناك دائمًا نخبة إعلامية تصنع “الرواية الرسمية”، وهناك دائمًا ميليشيا تُعاد صياغتها سياسيًا، وهناك دائمًا شعب يُطلب منه أن ينسى، أو يسامح، أو يصمت.

صناعة القبول ليست أداة محلية، بل جزء من منظومة هيمنة كونية تُدير الوعي عبر أدوات متطورة: الأخبار، الثقافة، اللغة، وحتى ما يُسمى “الحياد”.

*خاتمة: السودان — مختبر مفتوح لتطبيق الاستحمار السياسى والإعلامي*

ما يجمع بين شريعتي وبيرنيز وتشومسكي — على تباين مشاربهم الفكرية والسياسية — هو إيمانهم العميق بأن الشعوب لا تُهزم دائمًا بالقوة، بل بالسردية.
فالطغيان الحديث لا يبدأ من فوهة بندقية، بل من كلمة تُعاد هندستها.
ولا ينطلق من ساحة المعركة، بل من صورة مُلمَّعة.
ولا يُفرض بالعنف المجرد، بل بـالتكرار الذكي الذي يصنع الإجماع ويُخدر العقول.

وقد كان السودان، بكل مأساته، مختبرًا مفتوحًا لتطبيق هذا النمط من الاستحمار السياسي والإعلامي.
مكانًا اصطدمت فيه الحقيقة بجدار التزوير المنهجي، وصوت الميدان بالتضليل الإعلامي، والسيادة المحلية بالهندسة الدولية.

فما جرى — وما يزال — يُمثّل تجسيدًا عمليًا دقيقًا لنظريات شريعتي، وبيرنيز، وتشومسكي عن صناعة الوعي:
١. تلميع الميليشيا وتقديمها كشريك “شرعي” في الانتقال السياسي؛
٢. صعود نخب وظيفية بلا قاعدة جماهيرية لتجميل مشروع خارجي لا يمثل الداخل؛
٣. تدشين ماكينة إعلامية ضخمة لإنتاج سردية مضلّلة تُخفي الجريمة وتُحمّل الضحية وزر الخراب.

تحوّلت الحرب من مأساة دامية إلى مسرح دولي للتضليل تُدار سردياته من الخارج، وتُعاد صياغته من الداخل، وتُخدَّر به الشعوب تحت شعار “التوافق”.
وهنا يأتي الجزء الثاني من هذه السلسلة لتفكيك ثلاث طبقات مركزية:
◾ كيف تُدار أدوات التزييف من الداخل؟؟
◾ كيف يتواطأ الإعلام الدولي في تسويق الجريمة؟
◾ وهل نملك بعد هذا وعيًا مقاومًا قادرًا على كسر الدائرة؟

في زمن تُصنع فيه النخب السياسية في استوديوهات الخارج، وتُفرض فيه “الحلول” في مؤتمرات لا يحضرها أصحاب الأرض، فإن تفكيك الخطاب هو أول أشكال المقاومة.
فالوعي ليس ترفًا نظريًا، بل فعل تحرّر.
والسؤال النقدي ليس خيانة، بل واجب وطني.
ومن يملك السردية… يملك مصير الأمة.

#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
#القومية_تنتصر_دائما

bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top