المعسكرات تتحول لثكنات، والمجاعة تطرق الأبواب وسط صمت دولي الفاشر … الموت تحت الحصار تقرير:رحمة عبدالمنعم 

المعسكرات تتحول لثكنات، والمجاعة تطرق الأبواب وسط صمت دولي

الفاشر … الموت تحت الحصار

تقرير:رحمة عبدالمنعم

مليشيا الجنجويد تُخلي معسكر زمزم وتحوله إلى قاعدة عسكرية

برنامج الأغذية العالمي يحذر من مجاعة وشيكة في الفاشر

250 ألف مدني يعتمدون على مساعدات نقدية لا تلبي الاحتياجات

ارتفاع أسعار الذرة والقمح بنسبة تصل إلى 460% في اسواق المدينة

المدنيون في الفاشر يأكلون الأمباز ومخلفات الطعام للبقاء على قيد الحياة
موسم الأمطار يهدد بقطع آخر طرق الوصول البري إلى دارفور

شهود عيان يوثقون اعتداءات جنسية ونهب وتصاعد أعمال العنف داخل المدينة

تقرير : رحمة عبدالمنعم
في ظل حصار خانق، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وسط تحذيرات أممية من مجاعة وشيكة تهدد مئات الآلاف من السكان، وبينما تُحكم مليشيا الدعم السريع سيطرتها على مداخل المدينة، وتُحوّل معسكرات النازحين إلى قواعد عسكرية، يجد المدنيون أنفسهم محاصرين بالجوع والمرض، في مشهد يختزل قسوة الحرب وصمت العالم.

معسكر زمزم
وكشفت تنسيقية لجان المقاومة في مدينة الفاشر ،عن إخلاء كامل لمعسكر زمزم للنازحين من سكانه المدنيين، بعد أن أجبرتهم مليشيا الجنجويد، تحت التهديد والسلاح، على مغادرة المعسكر الذي ظل لسنوات ملاذًا آمنا للفارين من ويلات الحرب.
وأوضحت التنسيقية، في بيان صدر امس الثلاثاء، أن المليشيا استجلبت مرتزقة أجانب إلى داخل المعسكر، محولةً إياه إلى قاعدة عسكرية متقدمة تستخدم في شن هجمات متكررة على الأحياء السكنية في مدينة الفاشر، مما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وفاقم من معاناة السكان المحاصرين
وأضاف البيان أن معسكر زمزم، الذي كان يُعدّ أحد أكبر معسكرات النزوح في دارفور، تحول إلى نقطة انطلاق رئيسية للهجمات العسكرية التي تستهدف مدينة الفاشر، وهو ما وصفته التنسيقية بأنه “تحول خطير يعكس الاستهتار الكامل بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر تحويل المناطق المدنية إلى مواقع عسكرية”.

خطر المجاعة
وفي سياق متصل، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في بيان رسمي صدر امسالثلاثاء، من أن مدينة الفاشر – عاصمة ولاية شمال دارفور – تواجه خطراً وشيكًا بالمجاعة، نتيجة الحصار الخانق المفروض عليها، والذي أدى إلى قطع جميع الطرق المؤدية إليها وتعطيل عمليات الإغاثة الإنسانية.
وقال البرنامج إنه لم يتمكن من إيصال مساعدات غذائية إلى الفاشر براً منذ أكثر من اثني عشر شهرًا، وأن السكان يعتمدون حالياً على مساعدات نقدية رقمية توزع لنحو 250 ألف شخص، لكنها “لا تفي بالاحتياجات الهائلة في مدينة محاصرة”.
وأكد المدير الإقليمي للبرنامج في شرق وجنوب أفريقيا، إريك بيردسون، أن “الجميع في الفاشر يكافح يومياً من أجل البقاء”، مشيرًا إلى أن السكان قد استنفدوا كل وسائل التكيف، وأنه من دون تدخل إنساني فوري ومستدام، فإن الأرواح ستفقد.
وبحسب البرنامج، فقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية – مثل الذرة الرفيعة والقمح – بنسبة 460% مقارنة ببقية مناطق السودان، بينما أُغلقت الأسواق وتضررت العيادات والمرافق الصحية جراء الهجمات المتكررة، في حين لم يتبق من المطابخ المجتمعية التي أنشأتها مجموعات محلية إلا عدد محدود.
وتشير تقارير البرنامج إلى أن بعض العائلات اضطرت لأكل علف الحيوانات (الأمباز) ومخلفات الطعام للبقاء على قيد الحياة، في مشهد صادم يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول المجاعات في التاريخ الحديث.
كما نقل البرنامج عن شهود عيان تمكنوا من الفرار من المدينة، توثيقهم لحالات تصاعدت فيها وتيرة العنف، بما في ذلك النهب والاعتداءات الجنسية، في ظل حالة من انعدام الأمن شبه الكامل داخل المدينة.

الهجمات مستمرة
وعلى الرغم من أن برنامج الأغذية العالمي تلقى، حتى الأول من أغسطس الجاري، تصاريح رسمية من مفوضية العون الإنساني السودانية (HAC) في بورتسودان لإرسال قافلة مساعدات إلى الفاشر، إلا أن قوات مليشيا الدعم السريع التي تحاصر المدينة لم تعلن حتى الآن دعمها لأي هدنة إنسانية تسمح بدخول تلك المساعدات.
وكانت قافلة إنسانية مشتركة بين برنامج الأغذية العالمي ومنظمة اليونيسف قد تعرضت لهجوم مسلح في يونيو الماضي أثناء محاولتها الوصول إلى الفاشر، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وتدمير المساعدات بالكامل، مما زاد من تعقيد المشهد الإنساني.
ويقول البرنامج إنه بحاجة ماسة إلى 645 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة لمواصلة تقديم مساعدات غذائية ونقدية طارئة، محذرًا من أن استمرار الانقطاعات في سلاسل الإمداد يدفعه إلى اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بأولويات التدخل.

فك الحصار
وفي العاصمة الخرطوم، أصدرت لجان أحياء بحري بيانًا حاد اللهجة، امس الثلاثاء ، أكدت فيه أن معاناة الشعب السوداني مستمرة بسبب الحرب المستعرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، متهمة الأخيرة باستخدام سياسة “التجويع” كأداة للسيطرة على مدينة الفاشر.
ودعت اللجان إلى تضافر الجهود بين القوى الوطنية ولجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني والوكالات الأممية من أجل فك الحصار عن المدينة، وإنشاء ممرات آمنة لوصول المساعدات وخروج المدنيين، مطالبة بكشف ما وصفته بـ”الجريمة التي جعلت من علف الحيوانات غذاءً للإنسان”.
كما عبّرت عن أسفها الشديد لتدهور الأوضاع في الفاشر والدلنج وكادوقلي، مؤكدة أن استخدام سلاح التجويع يعدّ انتهاكًا خطيرًا يجب أن يواجه بحملات إعلامية وضغوط سياسية محلية ودولية.
وبينما تتفاقم المأساة في الفاشر، وتتحول معسكرات النازحين إلى ثكنات عسكرية، وتغدو الأسواق مقابر للغذاء، تبدو المدينة وكأنها تُدفع عمداً إلى الانهيار الإنساني الكامل، في ظل استمرار الحرب، وتجاهل إقليمي ودولي مريب.
إن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد أزمة غذاء أو كارثة نزوح، بل فصل دامٍ من فصول الحرب الشاملة التي تُشنّ على المدنيين في دارفور، وسط غياب أي أفق لحل أو استجابة إنسانية جادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top