802 ألف ريال سعودي تُجمع في 12 ساعة لسداد غرامة ممرضة سودانية..  (فزعة رانيا) ..«نحن اسياد شهامة والكرم جندو» الكرامة:رحمة عبدالمنعم 

802 ألف ريال سعودي تُجمع في 12 ساعة لسداد غرامة ممرضة سودانية..

 

(فزعة رانيا) ..«نحن اسياد شهامة والكرم جندو»

الكرامة:رحمة عبدالمنعم

 

من قاعة المحكمة تبدأ القصة التي وضعت “رانيا” أمام غرامة باهظة

 

استغاثة استجاب لها السودانيون بفزعة مدهشة لجمع المبلغ

 

الجالية السودانية في السعودية تطلق حملة تبرعات واسعة عبر تطبيق ( سداد)

 

 

قصيدة إسماعيل حسن تتحول إلى واقع حي يجسد شهامة السودانيين

 

رانيا تقف بين الدهشة والامتنان وتتحول رمزاً لقصة أكبر من محنتها الفردية

 

قصة الممرضة تصبح شاهداً على وطن ينهض بالفزعة ويقاوم المحن بالوفاء

 

الكرامة :رحمة عبدالمنعم

في ساعات قليلة من يوم أمس الاربعاء، تحولت قضية الممرضة السودانية رانيا حسن أحمد علي، العاملة بمدينة تبوك في المملكة العربية السعودية، من محنة شخصية إلى ملحمة تضامن وطني، فبعد صدور حكم قضائي يُلزمها بسداد غرامة مالية باهظة بلغت 802 ألف ريال سعودي، هبّ السودانيون داخل المملكة وخارجها في حملة “فزعة” غير مسبوقة، ليجمعوا كامل المبلغ خلال 12 ساعة فقط عبر نظام الدفع الإلكتروني الرسمي، مشهد جسّد شهامة السودانيين وتكاتفهم، وأعاد إلى الأذهان أبيات الراحل إسماعيل حسن وهو يصور معدن هذا الشعب الذي “يبدوا الغير على ذاتهم.. ويقسموا اللقمة بينهم”.

 

قصة الممرضة

ولم تكن الممرضة السودانية رانيا حسن أحمد علي تدري أن اسمها سيصبح حديث الناس، وأن قصتها ستتصدر منصات التواصل الاجتماعي في أقل من يوم واحد، رانيا، التي تعمل بمدينة تبوك بالمملكة العربية السعودية، وجدت نفسها فجأة في مواجهة حكم قضائي يقضي بتغريمها 802 ألف ريال سعودي، على خلفية خطأ طبي وقع داخل قسم الحضانة المركزة للأطفال، حكم ثقيل في وقعه، لا تملك رانيا ولا أسرتها القدرة على مواجهته، لكنه في المقابل كان الشرارة التي أيقظت نخوة السودانيين في الداخل والخارج.

بحسب الوثائق الرسمية الصادرة عن وزارة العدل والتنفيذ القضائي السعودية، فإن أمر التنفيذ بحق رانيا حُرر بتاريخ 24 صفر 1447هـ، ملزماً إياها بسداد المبلغ الضخم، وإلا فإن القضية ستظل مفتوحة في أروقة المحاكم، هنا بدأت القصة الحقيقية، ليست قصة الحكم ولا تفاصيل الملف الطبي، بل قصة التضامن السوداني الذي يتجدد كل مرة وكأنه قدرٌ مكتوب على هذه الأمة.

ما إن تسرب الخبر حتى تحولت الجالية السودانية في السعودية إلى خلية نحل. رسائل متتابعة على مجموعات “واتساب” ونداءات متسارعة على منصات “إكس” و”فيسبوك”، كلها تحمل ذات العنوان: “أنقذوا رانيا.. واجبنا أن نقف معها”، وفي مشهد يعيد للأذهان قيم التكافل المتجذرة في المجتمع السوداني، سارع أفراد الجالية إلى تدشين حملة تبرعات عبر نظام سداد الرسمي، لتكون المشاركة شرعية وموثوقة.

المذهل أن الحملة لم تستغرق سوى 12 ساعة فقط حتى اكتمل المبلغ المطلوب، وأُغلق ملف التنفيذ نهائياً، مشهد أثار الدهشة حتى في أوساط السعوديين أنفسهم الذين تابعوا القصة، إذ لم يتوقع أحد أن يجمع مبلغ بهذا الحجم في ظرف وجيز كهذا.

 

نسيج السودانيين

القصة لم تكن مجرد سداد لغرامة، بل كانت امتحاناً جديداً لنسيج السودانيين في المهجر، وفي كل بيت سوداني طُرح السؤال: هل ساهمت في فزعة رانيا؟ ليصبح الفعل الجمعي مرآة للقيم القديمة التي كتب عنها الشاعر الراحل إسماعيل حسن في قصيدته الخالدة: (يبدوا الغير على ذاتهم.. يقسموا اللقمة بيناتهم..ويدوا الزاد حتى إن كان مصيرهم جوع..يحبوا الدار يموتوا عشان حقوق الجار..ويخوضوا النار عشان فد دمعة..وكيف الحال كان شافوها سايلة دموع)،قصيدة تحوّلت إلى واقع حي؛ واقع جسّدته التبرعات الإلكترونية التي تسابقت لتضمد الجرح قبل أن يتسع، وتعيد الاعتبار لزميلة مهنة عالقة في أزمتها.

وفي السياق ذاته، استعاد ناشطون أبياتاً شعبية يفاخر بها السودانيون أنفسهم وقيمهم: “الزول بفتخر يباهي بالعندو.. نحن أسياد شهامة والكرم جندو.. ما في وسطنا واحداً ما انكرب زندو.. البعجز يقع بيناتنا بنسندو.. الحارة بنخوضا”،أبيات وجدت صداها في هذا المشهد الجماعي، لتغدو الفزعة فعلاً حيّاً يترجم الشعر إلى واقع، ويمنح رانيا رمزيتها كحكاية أوسع من محنة فردية

 

روج جمعية

(فزعةرانيا) ليست مجرد “حادثة طبية” أو “مبلغ مالي سُدد”، إنها انعكاس لروح جمعية ظلت تميز السودانيين عبر العصور، من “الديوان” في الأحياء القديمة، حيث يتقاسم الناس الخبز والماء، إلى منصات الدفع الإلكتروني في الغربة، ظل الخيط واحداً: الشهامة والكرم والنخوة.

وهكذا، اختصر السودانيون في 12 ساعة معنى وطن كامل، وطن قد تباعدت به الجغرافيا وتفرقت به المنافي، لكنه ما يزال قادراً على أن يجتمع حين تناديه دمعة واحدة.

الممرضة رانيا لم تعد وحدها، بل صارت رمزاً حياً لفكرة أن السودانيين، حتى في أقسى الظروف يبدون الغير على أنفسهم، ويقسمون اللقمة بينهم.. ويخوضون النار عشان فد دمعة.

 

قيم أصيلة

ليست قصة رانيا حادثة عابرة في صفحات الأخبار، بل هي مرآة لما تبقى في وجدان السودانيين من قيم أصيلة، تلك القيم التي لا تنكسر تحت ثقل الغربة ولا تبهت أمام قسوة الظروف، ففي لحظة اختبار حقيقية، أثبتوا أنهم ما زالوا قادرين على مدّ الأيادي لبعضهم البعض، وأن “الفزعة” ليست كلمة تُقال بل فعل يتجدد مع كل أزمة، لقد اختصرت حملة الساعات الاثنتي عشرة معنى وطن لا يزال حياً رغم الجراح، وطن يجتمع أبناؤه حول دمعة واحدة، ويشعلون قناديل التضامن في وجه العتمة.

رانيا خرجت من محنتها، لكن ما سيبقى أبعد من تفاصيل الحكم والغرامة: سيبقى الدرس الذي خطه السودانيون للعالم أجمع بأنهم أمة تتقاسم اللقمة في السراء والضراء، وتخوض النار “عشان فد دمعة”. وهكذا، تظل قصتها شاهداً جديداً على أن قوة الشعوب لا تُقاس بما تملك من مال أو سلاح، بل بما تختزن من شهامة، وما تنبض به قلوب أبنائها من محبة ورحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top