الإجراءات الروتينية للجيش اصبحت قضية رأي عام..
الضباط المحالون للتقاعد .. نجومية الحرب..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
التفاعل الجماهيري مع قرارات الإحالة عكس التلاحم مع الجيش..
الشعب السوداني يرى في ضباط الجيش رموزاً للبطولة والتضحية..
هل يعيش السودان مرحلة انتقال ، تتبدل فيها معايير النجومية؟..
تقرير : إسماعيل جبريل تيسو..
تتواصل ردود فعل الشارع السوداني بشأن القرارات التي أصدرها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بترقية وإحالة عدد من الضباط إلى التقاعد بالمعاش، حيث تحوّل هذا الحدث المهني والروتيني الذي اعتادت على إجرائه المؤسسة العسكرية بصورة دورية وراتبة لتحقيق العدالة المهنية، والحفاظ على التراتبية العسكرية، تحوَّل إلى قضية رأي عام أثارت نقاشات واسعة في أوساط المجتمع السوداني في الداخل والخارج، ولعلها المرة الأولى التي ينشغل فيها بال الشارع السوداني بكل أطيافه بعملية الترقيات والإحالات إلى التقاعد بالمعاش وسط ضباط القوات المسلحة الأمر الذي يؤكد أن المؤسسة العسكرية باتت قريبةً جداً إلى وجدان المجتمع السوداني في راهن الحرب الجاري أكثر من أي وقت مضى.
أسماء مؤثرة:
وشملت قائمة الضباط الذين تمت ترقيتهم وإحالتهم إلى التقاعد في الكشف الذي صدر مؤخراً، اسماءً مؤثرة كان لها قِدحٌ مُعلَّى في معركة الكرامة الوطنية، وجاء قرار إحالتهم للتقاعد مفاجئاً للرأي العام السوداني قياساً بالجهود المتعاظمة والتضحيات الجسيمة التي قدموها خلال الحرب، ولعل على رأس هذه القائمة يطلُّ قائد سلاح المدرعات اللواء ركن نصر الدين عبد الفتاح الذي تمت ترقيته إلى رتبة الفريق وإحالته للتقاعد بالمعاش، والفريق الركن عباس حسن عباس الداروتي الذي تمت ترقيته إلى رتبة الفريق أول وإحالته للتقاعد بالمعاش، والفريق الركن عبد المحمود حماد حسين عجمي الذي تمت ترقيته إلى رتبة الفريق أول وإحالته للتقاعد بالمعاش، والفريق طيار ركن الطاهر محمد العوض الأمين، الذي تمت ترقيته إلى رتبة الفريق أول وإحالته للتقاعد بالمعاش، والفريق ركن أحمد محمد خير أحمدان، والعقيد إبراهيم الحوري وغيرهم ممن لعبوا دوراً مؤثراً في حرب الكرامة الوطنية.
تحولات عميقة:
ويُجمع مراقبون على أنّ تفاعل الشارع السوداني غير المسبوق مع الإجراء الروتيني السنوي الذي درجت عليه القوات المسلحة، يعكس تحولات عميقة في وجدان الشعب السوداني الذي بات يرى في ضباط الجيش رموزاً للبطولة والتضحية، لا تقل نجوميتهم عن نجومية لاعبي كرة القدم، والمطربين، والصحفيين، والإعلامين، والممثلين، حيث ظلت هذه النخب تسيطر على المشهد الشعبي، وتستحوذ على قلوب وأفئدة الجماهير لعقود، لقد تحوَّل هذه الروتين المهني، والإجراء الداخلي للمؤسسة العسكرية إلى حدث جماهيري، ذلك أن هذه القرارات لم تُقرأ هذه المرة على أنها مجرد تبديل في المناصب والرتب، بل رآها الشارع حدثاً يمس رموزاً صاروا جزءاً من ذاكرته اليومية في حرب الكرامة الوطنية التي نجحت في تقديم واقع جديد جعل ضباطاً ميدانيين وقادة عسكريين يتحولون إلى أيقونات شعبية، بعد أن ارتبطت أسماؤهم بالصمود والانتصارات في جبهات القتال، وأصبحت صورهم وتصريحاتهم مادة للتداول على منصات التواصل الاجتماعي، وقد كسرت هذه النجومية الصورة التقليدية التي كان يحتكرها نجوم الرياضة والغناء والفن، وحوّلت “الشهرة” إلى مساحة تُمنح بالبطولة والتضحية لا بالموهبة وحدها.
انسجام وتلاحم شعبي:
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي الجنرال معاوية علي عوض الله أن هذا التفاعل والانفعال الجماهيري منقطع النظير مع قرارات إحالة ضباط إلى التقاعد داخل المؤسسة العسكرية، إنما يعكس حالة من الانسجام والتلاحم بين المواطنين والقوات المسلحة، حيث لم يعد الجيش مجرد مؤسسة سيادية، بل أصبح مكوّناً وجدانياً حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، وقال الجنرال معاوية دانيال في إفادته للكرامة إن الشعب السوداني بحث في ظل هذه الحرب التي فُرضت عليه وما أفرزته من اضطراب وفوضى وعدم أمان، عن رموز جديدة جامعة تمنحه الثقة والأمل، وقد وجد ضالته في ضباط الجيش الذين تصدّروا المشهد الميداني، مبيناً أن الاحتفاء بالضباط المحالين إلى التقاعد يُسجّل نوعاً من التكريم الشعبي لهم، ويؤكد أن مسيرتهم ستظل حاضرة في وجدان الأمة حتى بعد مغادرتهم الخدمة الفعلية، وختم الجنرال معاوية دانيال إفادته للكرامة بأن هذا الاهتمام الشعبي بالملف العسكري قد يعكس بُعداً اجتماعياً وسياسياً عميقاً، إذ يُظهر أن المجتمع لم يعد ينظر إلى الجيش باعتباره أداة حكم أو قوة سياسية فحسب، بل كضامن لأمنه واستقراره، وحارس لوجوده، وعمود بقائه في وجه التهديدات، منوهاً إلى أن هذه النجومية الجديدة ربما تعمل على تغيير بعض المفاهيم، وتساهم في إعادة صياغة سلم الأولويات في الثقافة الشعبية السودانية، بحيث يتقدم تقدير التضحية الوطنية على مظاهر الترفيه والتسلية واللهو.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر فإن ما جرى من تفاعل جماهيري مع ملف الإحالات والتقاعد داخل المؤسسة العسكرية مؤخراً، يؤكد أن السودان يعيش مرحلة انتقال وجداني، تتبدل فيها معايير البطولة والنجومية، فبعد أن كان السودانيون يلهجون بأسماء اللاعبين والمطربين، ونجوم الفن، صاروا اليوم يتداولون أسماء الضباط الذين قادوا معركة “الكرامة الوطنية”، ويتابعون أخبار إحالتهم وتقاعدهم كما لو كانت حدثاً وطنياً، وهو قطعاً تحوّلٌ يعكس حجم التضحيات التي بذلتها القوات المسلحة، وحجم التقدير الشعبي لرجال وضعوا الوطن قبل كل شيء.






