الخرطوم تستعيد دورها وتبعث برسائل للداخل والخارج .. إجتماع مجلس الوزراء .. إعادة تشكيل المشهد السوداني.. الكرامة: علم الدين عمر 

الخرطوم تستعيد دورها وتبعث برسائل للداخل والخارج ..

 

إجتماع مجلس الوزراء .. إعادة تشكيل المشهد السوداني..

الكرامة: علم الدين عمر

رهان العاصمة .. الحكومة تعود من قلب العاصمة رغم التحديات..

 

الإقتصاد ومعاش الناس.. معركة الشرعية الحقيقية..

 

 

تنسيق غير مسبوق بين مؤسسات الدولة..وحدة الهدف .. وزخم سياسي فاعل..

 

 

إنفتاح على الخارج.. السودان من العزلة إلى الشراكة ..قواعد اللعبة تتغير..

 

الكرامة : علم الدين عمر

 

 

مباشرةً من العاصمة الخرطوم.. في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة ورسائل داخلية وخارجية متشابكة..ومن الطاولة المركزية التاريخية في قلب العاصمة التي أنهكتها الحرب والتهجير والشلل الخدمي..حولت حكومة الأمل إجتماعاتها إلى مسرح العودة.. ليس لعمل الحكومة فحسب بل و لبناء تصور جديد لمستقبل الدولة السودانية على قواعد مختلفة عما سبق..

تجاوزت العودة المظهر البرتكولي لما يشبه الإعلان السياسي بأن مركز الدولة لن يغادر الخرطوم..وأن مشروع المغامرات الموازية قد إنكسر..وأن الشرعية الدستورية تنتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها.. العمل المرتب.. التنسيق بين السلطات.. ووحدة الهدف الوطني بزخم سياسي غير مسبوق.

 

الخرطوم .. بين الرمزية السياسية والحاجة الواقعية..

 

العودة للخرطوم كمقر للعمل الحكومي ليس قراراً عاطفياً كما يبدو ..بل هو محاولة لربط الشرعية بالسيادة. فالعواصم هي رمز قوة الدولة.. ومن الخرطوم يمكن إعادة الإمساك بزمام المبادرة..الحكومة تدرك أن وجودها وسط الخرطوم..بما فيها من أنقاض وصعوبات.. هو إختبار واقعي لقدرتها على كسب ثقة المواطن..فالخرطوم ليست مجرد عاصمة إدارية.. تاريخياً وسيادياً الخرطوم هي واجهة الدولة أمام المجتمع الدولي..حيث كل زيارة دبلوماسية أو نشاط خارجي يبدأ منها.

 

 

الإقتصاد ومعاش الناس.. معركة الشرعية الحقيقية..

 

يدرك الدكتور كامل إدريس أن المعركة الفاصلة ليست في صالونات السياسة أو دهاليز السلطة ..بل هي في الأسواق ومعاش الناس.. لذلك أعلنت الحكومة مبكراً حزمة أولويات اقتصادية:

 

فتح مسارات التجارة والإمداد: عبر تفعيل الموانئ وتبسيط الإجراءات الجمركية لخفض أسعار السلع.

 

 

السياسات النقدية: إستهداف استقرار سعر الصرف.. والحد من المضاربات في السوق السوداء.. وجذب تحويلات المغتربين عبر قنوات مصرفية رسمية.

 

المشاريع الزراعية: إعادة تشغيل مشروع الجزيرة ومشاريع النيل الأبيض وسدود الري..بأعتبارها المخزون الإستراتيجي للأمن الغذائي.

 

البنية التحتية الخدمية: الكهرباء.. المياه.. الوقود والدواء ضمن خطة عاجلة لمعالجة النقص المزمن.. الشرعية ليست في الشعارات.. بل في قدرة الحكومة على وضع الرغيف والدواء والكهرباء في متناول المواطن.

 

إحكام التنسيق بين مستويات السلطة.. معادلة جديدة..

 

لعل أهم ما يميز الصراع التنفيذي والسياسي والمجتمعي الحالي لحكومة إدريس هو سعيها لكسر حالة التداخل والتشاكس التي طبعت المشهد السياسي السوداني لسنوات..المشهد الجديد يقوم على تنسيق محكم بين مستويات السلطة:

 

قيادة السياسات التنفيذية والخطط التنموية..

 

رئيس مجلس السيادة ومجلسه: إطار سيادي جامع يضمن عدم انزلاق البلاد إلى صراع الشرعيات..

 

ولاة الولايات:

خط مباشر مع المركز.

. لتطبيق السياسات بشكل متوازن وفق خصوصية كل ولاية..

 

الأجهزة النظامية (الجيش، الشرطة، جهاز المخابرات): تتكامل أدوارها في تأمين العاصمة والولايات دون تضارب..

 

وزارة العدل والسلطة القضائية والنائب العام: إستقلالية قانونية تؤسس لهيبة الدولة عبر سيادة القانون..

 

الإعلام وسلطة الرقابة المفتوحة: قبل تشكيل المجالس التشريعية.. تلعب هذه المؤسسات دوراً في الرقابة المجتمعية وضبط الأداء العام..

هذا التنسيق ليس مجرد توزيع للأدوار.. بل هو أقرب لإعادة صياغة الدولة السودانية على قواعد جديدة: وحدة هدف.. وضوح في الإختصاصات..وزخم سياسي يمنح القرارات الحكومية وزناً وشرعية عملية..

 

 

البيئة وتطبيع الحياة المدنية..

 

الخرطوم تواجه مشكلات بيئية خانقة.. تراكم النفايات.. تلوث المياه.. وإنهيار شبكة الصرف الصحي..

أعلنت الحكومة عن برنامج وطني عاجل للإصحاح البيئي.. بدعم من وكالات أممية ومنظمات إقليمية إبتدرته ولاية الخرطوم بتعيين أمين عام جديد لمجلس شؤون البيئة والترقية الحضرية (الأستاذة غادة حسين ..أحد أبرز كفاءات المجلس التي تم ترفيعها من داخله ) وتوجيه المجلس بإستنفار الطاقة القصوي للعاملين للإضطلاع بمسؤولياته الكبيرة ..الخطة تشمل تشغيل آلاف الشباب في مشاريع نظافة وصيانة البنية التحتية.. بما يخلق فرص عمل جديدة ويعيد الحيوية للحياة المدنية..

تطبيع الحياة يشمل أيضاً إعادة فتح المدارس تدريجياً.. وتشغيل المستشفيات، وتوفير خطوط نقل عام لتسهيل الحركة..

 

 

العلاقات الخارجية.. من العزلة إلى الشراكة..

 

بخلفيته الأممية الطويلة..يدرك الدكتور كامل إدريس الطيب أن أي نجاح داخلي يحتاج مظلة خارجية داعمة.. لهذا جاء توجه الحكومة نحو:

 

المحيط الإقليمي: تعزيز العلاقات مع مصر..تشاد..جنوب السودان..وإثيوبيا.. باعتبارها دول الجوار الأكثر تأثيراً..

 

المؤسسات المالية الدولية: التحاور مع صندوق النقد والبنك الدولي لإعادة السودان للنظام المالي العالمي..

 

الشراكات التنموية: التفاوض مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لجذب الدعم في مجالات الطاقة والزراعة والتعليم..

 

الرسالة الأساسية: السودان لن يكون عبئاً على الأمن الدولي.. بل شريكاً فاعلاً في الإستقرار الإقليمي والسلم الدولي..

 

 

التحديات والرهانات الكبرى..

 

التحدي الأمني: تأمين الخرطوم أولاً.. وضبط السلاح..وإنهاء ظاهرة المليشيات..والمتلفتين..

 

التحدي الإقتصادي: كبح التضخم.. وتثبيت سعر العملة..وإعادة الثقة للنظام المصرفي.

 

التحدي الإجتماعي: إعادة دمج ملايين النازحين.. وتخفيف الإحتقان الإجتماعي والسياسي..ودعم وتعزيز برنامج العودة الطوعية للاجئين السودانيين بالخارج..

 

التحدي السياسي: إدارة مرحلة ما قبل تشكيل المجالس التشريعية.. والحفاظ على التنسيق بين السلطات دون أنزلاق إلى صراع صلاحيات..

 

 

لحظة إختبار لإرادة الدولة..

 

الخطوة التي أتخذتها حكومة الدكتور كامل إدريس بالعمل من الخرطوم.. والإنفتاح على الملفات الإقتصادية والإجتماعية والخارجية.. ليست مجرد بداية جديدة.. إنها إختبار حقيقي لقدرة السودان على النهوض من تحت الركام ..وتحديد الإطار العام لعودة الدولة السودانية للعمل المؤسسي في كافة المحاور بإرادة سياسية متناغمة مع الإدارة التنفيذية..

فهل تستطيع الحكومة أن تترجم هذا الزخم السياسي والإداري إلى إنجازات ملموسة في حياة المواطن؟ وهل ينجح التنسيق غير المسبوق بين السلطات في خلق دولة جديدة أكثر تماسكاُ وأنضباطاً؟

إنها باختصار لحظة فاصلة..قد تحدد ما إذا كانت الخرطوم ستظل ساحة أزمة.. أم ستتحول من جديد إلى قلب نابض لدولة موحدة تسير نحو المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top