حاجب الدهشة
علم الدين عمر
مضيق الأزمة السودانية يتسع.. عثمان ميرغني وأشياء أخرى!!..
تابعتُ بإهتمام الجدل الذي أثارته قراءات رئيس تحرير صحيفة التيار الباشمهندس عثمان ميرغني لإحدى الفضائيات.. حيث وصف تنسيق السودان مع الآلية الرباعية بأنه في حقيقته «4،+1»..بإضافة السودان في إشارة فيما يبدو لتنسيق يجري تحت الطاولات.. ولم يكد يُكمل حديثه حتى ثار الغبار كثيفاً في مجموعات الإعلاميين وبعض المجموعات الهجين..وتدفقت عليه مادة التخوين كأنما أقترف خيانة كبري أو مضي في الإعلان عن موقفه الشخصي .. القضية في تقديري أبعد من ذلك وأعمق ..إنها تكشف هشاشة العلاقة بين الخطاب السياسي والإعلامي..وتطرح السؤال: كيف يُدار الموقف السوداني بين ما يُقال للرأي العام وما يُمارس في غرف التفاوض؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى قلب الأزمة.. السودان يعيش معركتين متوازيتين.. الأولى عسكرية.. يخوضها الجيش بثبات.. يحرر مدناً ومواقع إستراتيجية ويعيد للدولة حضورها وهيبتها..والناس يلتفون حوله ويدعمونه بشكل مطلق من واقع أنها حرب وجود..
المعركة الثانية مدنية.. تدور في فضاء السياسة والدبلوماسية..ضغوط خارجية ومبادرات دولية تحاول رسم خريطة الإنتقال.. وهنا لا مكان للعاطفة أو المثاليات..الحوجة هنا لدهاء سياسي يعرف كيف يلتقط الإشارات ويُدير التوازن.. التصريحات غير المحسوبة أو القراءات المتعجلة قد تُحدث إرباكاً لا يقل خطورة عن أي هزيمة عسكرية.إستكمال تعيين وزراء حكومة الأمل.. وعلى رأسهم وزير الخارجية..جاء في هذا السياق ليعيد للسودان صوتاً واضحاً في الساحة الدولية..كان قد خبا لوقت طويل لصالح الحرب ومطلوباتها وتفاطعاتها.. ومع بداية جولات رئيس الوزراء الخارجية برفقة وفود وزارية رفيعة.. أرسلت الدولة رسالتها الواضحة بأنها تملك قرارها وتمثل نفسها.. هذه الخطوات.. إذا أُحسن توظيفها.. تضع العمل السياسي والدبلوماسي في خط متوازٍ مع التقدم العسكري..
لكن التوازن لا يكتمل دون أنضباط في الخطاب.. الإعلام ليس منصة للإنفعال ولا منبراً لتصفية الحسابات..هو غرفة عمليات تسير بمحاذاة السياسة..كلمة منفلتة قد تُربك مسار تفاوض.. وجملة مرتجلة قد تهدم جداراً شيده الجنود بدمائهم.. وهنا تكمن دلالة ما أثاره عثمان ميرغني ليس المهم مضمون ما قاله فقط.. بل أثره وهل خدم الموقف الوطني أم فتح ثغرة للتشويش؟
أستاذنا عثمان يحتاج للتواضع علي إجابة هذا السؤال علي ضؤ المصباح الباهت للتنسيق..علي نحو مباشر بعيداً عن إتهامه وتبرئته..
المعادلة الحقيقية واضحة.. الجيش يتقدم علي الأرض.. الحكومة تدير السياسة والدبلوماسية.. والإعلام منضبط علي إيقاع يعكس المواقف دون أن يكشف الأوراق.. سقوط أي ضلع من هذا المثلث يُهدد الصورة الكاملة.. فالنصر العسكري بلا سند سياسي ناقص.. والتسوية المدنية بلا ظهر عسكري وهم..
الخلاصة أن السودان يقف في مضيق أزمة يتسع كل يوم.. لكن تجاوزه ممكن بتركيب صورة واحدة متماسكة..وإعلام ذكي يُوازن المشهد بين ما هو مطلوب وما هو ممكن ..وما أثاره عثمان ميرغني ليس تفصيلاً عابراً..بل جرس إنذار بأن التناقض بين ما يُقال وما يُفعل قد يُربك المشهد كله.. لذلك المطلوب أن يكون خطاب الدولة دقيقاً بقدر حساسية المشهد وأن يُدار الإعلام بوعي لا يترك ثغرات للتخوين أو الإلتباس..
في النهاية..القضية ليست شخصاً ولا تصريحاً..بل مسؤولية وطن كامل.. كيف نحفظ وحدة الموقف ونمنع تباين الخطاب من أن يتحول إلى ثغرة تنفذ منها الأزمات.. السودان لا يحتمل ذلك.. والمضيق رغم اتساعه لا يقبل التردد.
ولابد من التعامل مع حقيقة أن الدولة تدير غالب أمرها تحت الطاولات وليس فوقها..فدولة بلا أسرار هي دولة فاشلة ومتخبطة.






