إحتكار شراءه وتصديره على البنك المركزي .. منشور الذهب الجديد.. السيادة الاقتصادية.. تقرير:رحمة عبدالمنعم

إحتكار شراءه وتصديره على البنك المركزي ..

منشور الذهب الجديد.. السيادة الاقتصادية..
تقرير:رحمة عبدالمنعم

ضوابط جديدة لتصدير الذهب عبر المصارف والمصفاة

الشراء وفقا لأسعار البورصة العالمية والسعر السائد في السوق ..

تنفيذ عمليات المشتريات سيكون بواسطة شركة “مصفاة السودان للذهب

السماح بالتصدير للتصنيع والإعادة وفق ضوابط محددة..

الجمارك مكلفة بمراقبة الذهب الوارد وكميات المسافرين..

استمرار سياسات شركات الامتياز والتعدين الصغير وفق منشور سابق

هيثم فتحي :القرار سيزيد مشتريات البنك من الذهب ويعزز النقد الأجنبي

الباحث الاستراتيجي عبدالعزيز باشا :الذهب عصب الأمن الاقتصادي

الكرامة : رحمة عبدالمنعم

أصدر بنك السودان المركزي، اول أمس الأول الاثنين، منشور السياسات رقم (2025/14)، الذي ألغى بموجبه منشوراً سابقاً، وقصر شراء وتصدير الذهب الحر “التعدين الأهلي” وذهب شركات مخلفات التعدين على البنك المركزي أو من يفوضه، على أن يتم التنفيذ حصرياً عبر شركة مصفاة السودان للذهب وفقاً لأسعار البورصة العالمية والسعر السائد في السوق، ويأتي القرار في سياق جهود حكومية متصاعدة لإعادة تنظيم واحد من أهم موارد البلاد الاقتصادية وأكثرها حساسية في ظل تحديات داخلية وخارجية متشابكة.

ضوابط جديدة

وسمح منشور بنك السودان المركزي رقم (2025/14) بتصدير الذهب لأغراض التصنيع والإعادة عبر المصارف، شريطة استيفاء ضوابط محددة أبرزها الحصول على موافقة وزارة الصناعة والتجارة ،تقديم شهادة من هيئة المواصفات والمقاييس،وضمان مصرفي بقيمة الذهب المصدَّر ،مع إلزاميةإعادة الكميات المصدَّرة خلال شهر واحد.
كما شدد البنك على دور هيئة الجمارك في ضبط الإفراج عن الذهب الوارد ومراقبة الكميات المصاحبة للمسافرين، وألزم المصدرين بالتقيد بقرارات الجهات الإشرافية، وفي الوقت ذاته أبقى المنشور سياسات شركات الامتياز والتعدين الصغير وفق منشور السياسات رقم (2025/02)، بينما استثنى عمليات الدفع المقدم السابقة لقرار مجلس الوزراء رقم (132) لسنة 2025.
وجاء المنشور متزامناً مع قرار مجلس السيادة الانتقالي بالرقم (106) لسنة 2025، الصادر في أغسطس الماضي، والقاضي بإنشاء “بورصة السودان العالمية للذهب” لتكون المنصة الرسمية الوحيدة للبيع والتصدير، على أن يتحدد مقرها في الخرطوم مع إمكانية إنشاء فروع داخل وخارج البلاد.
ونص القرار السيادي على حظر أي عمليات بيع أو تصدير للذهب خارج إطار البورصة، واعتبار المخالفة جريمة يعاقب عليها القانون، بجانب إلزام البورصة بتحديد سعر بيع الذهب السوداني عند مستوى تنافسي أقل من السعر العالمي بهدف جذب المشترين والمستثمرين وزيادة العوائد الاقتصادية.

آلية قومية

من جانبه، كشف وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، الدكتور جبريل إبراهيم، عن ترتيبات حكومية لإنفاذ قرارات رئيس الوزراء الخاصة بصادرات الذهب، بما يسهم في حمايته كمورد اقتصادي رئيسي والحد من تهريبه، مشيراً إلى اتجاه لإنشاء آلية أو “محفظة قومية” للصادرات مملوكة للدولة. وأوضح أن بنك السودان سيواصل عمليات الشراء والتصدير عبر آلياته الحالية إلى حين تأسيس المحفظة الاستثمارية القومية، بما يضمن بناء الثقة مع المعدنين والمصدرين عبر الحوافز والضمانات اللازمة.
وبحسب بيانات رسمية، بلغت صادرات الذهب السوداني إلى الإمارات وحدها خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2025 نحو 10 أطنان بعائد مالي قدره 870 مليون دولار، أي ما يمثل أكثر من 95% من إجمالي الإنتاج المصدر، ويعتمد السودان على الذهب في نحو 90% من إيراداته النقدية الخارجية، ما يجعله المورد الأول والركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني في ظل الحرب الراهنة التي عطلت معظم القطاعات الإنتاجية الأخرى.

النقد الأجنبي

وفي حديثه لـ الكرامة، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن للذهب في السودان مسارين رئيسيين للتصدير: “الأول يتمثل في تصدير السبائك الذهبية بصورتها النهائية، بينما الثاني يشمل المشغولات الذهبية التي تضيف قيمة مضافة وتزيد من الحصيلة التصديرية للدولة”.
وأشار فتحي إلى أن سياسات البنك المركزي الجديدة ستؤدي إلى زيادة حجم مشتريات البنك من الذهب الصادر، ومن ثم تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي لدى الدولة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على استقرار سعر الصرف. وأضاف: استفادة الاقتصاد الوطني لن تتوقف عند ذلك فحسب، بل تشمل كذلك تحقيق قيمة مضافة من تصدير الذهب بعد تصفيته محلياً، والاستفادة من الشوائب وتقليل تكلفة التصدير مقارنة بالخام، فضلاً عن ضمان دخول العائدات إلى حساب بنك السودان مباشرة.
وفيما يتعلق بمكافحة التهريب، يرى هيثم أن “لتهريب سيتراجع تلقائياً إذا قدم بنك السودان أسعاراً مجزية ومشجعة للمعدنين الأهليين، الذين عادة ما ينتجون بكميات صغيرة لا تغري بتهريبها، بل تحفز على بيعها داخلياً. لكنه في المقابل، حذر من أن السياسات الحالية لا تزال “غير مكتملة ومتخبطة”، مشدداً على ضرورة استكمال الإطار القانوني والتنظيمي لكافة المعادن، وتحليل التجارب السابقة التي طبقت فيها سياسات مشابهة لاستخلاص السلبيات وتفاديها.
واقترح فتحي إنشاء شركة مساهمة عامة تُمنح امتياز تصدير الذهب وتعمل تحت إشراف ورقابة البنك المركزي وسوق الخرطوم للأوراق المالية، بدلاً من تحول البنك ذاته إلى تاجر ومصدر مباشر.

الأمن الاقتصادي

أما الدكتور عبدالعزيز الزبير باشا، الباحث الاستراتيجي المتخصص في إدارة المخاطر، فقد اعتبر أن ملف الذهب تجاوز كونه مورداً اقتصادياً إلى كونه “عصب الأمن الاقتصادي وخط الدفاع الأخير عن سيادة الدولة.
وقال باشا لـ الكرامة: التعامل الحالي مع الذهب يتسم بالعشوائية والتجريب، بينما التهريب يستنزف المخزون الوطني، وشبكات المصالح تمتد من المناجم إلى الحدود. لا يمكننا أن نضع خططاً طويلة المدى قبل المرور بمرحلة تأسيسية أشبه بتهيئة الأرض قبل البناء.
ودعا عبدالعزيز إلى تحديد خط الأساس بوضوح: كم يملك السودان من الذهب؟ أين يُستخرج؟ من يسيطر عليه؟ وكم نفقد سنوياً بسبب التهريب؟ مضيفاً أن تجميع البيانات المتناثرة بين المصارف ووزارة المعادن والجمارك والأمن الاقتصادي أمر ضروري لتقليل الفساد والتلاعب.
كما شدد على ضرورة إدراك أن الذهب “ملف سيادي بامتياز”، يتطلب توافقاً سياسياً ومؤسسياً يشمل كل أجهزة الدولة، مع قدرات رقابية حقيقية وأدوات صارمة للإنفاذ، وحذر من أن كل يوم يمر بلا تنظيم صارم يعني المزيد من الاستنزاف وتمويل الشبكات الموازية التي تتربص بالدولة.

مفترق طرق

وبين رؤية الخبراء وسياسات الحكومة، يظل ملف الذهب في السودان عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يدار بعقلية السوق الموازي بما يفتح الباب للتهريب والفساد، أو أن يتم الارتقاء به إلى مستوى المورد السيادي الذي يحمي بقاء الدولة وقدرتها على تمويل نفسها وصيانة قرارها الوطني.
الخطوة الأخيرة لبنك السودان المركزي، رغم جدليتها، تمثل محاولة لترسيخ الضبط المؤسسي وإعادة الثقة المفقودة، لكنها ستظل مرهونة بقدرة الدولة على استكمال الإطار القانوني والتنفيذي، وتوحيد الرؤية السياسية والاقتصادية، ووضع الذهب في مكانه الصحيح: ليس فقط مورداً اقتصادياً، بل خط الدفاع الأخير في معركة السودان من أجل السيادة والبقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top