آخر الأسبوع
علم الدين عمر
دبلوماسية وعسكرية وبيئة تشكل مشهد السودان..
إختراق نيويورك .. ونصر الفاشر..
تحرك مدني أربك المليشيا وغير حسابات التمثيل الدولي..
زيارة وزير الخارجية المصري .. القاهرة تُجدد تموضعها كداعمة لمؤسسات الدولة..
الفاشر ونيالا.. عمليات نوعية للجيش تكسر شوكة الجنجويد..
فيضان النيل .. تهديدات بيئية تختبر جاهزية الدولة وصمود المجتمع..
(1)
عودة كامل..
عاد رئيس الوزراء د. كامل إدريس ووفده من إجتماع الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.. محملين بما يشبه خارطة الطريق الجديدة لعلاقات السودان مع العالم..المشاركة التي شكّت إختراقاً سياسياً مدوياً.. إذ أن ظهور رئيس الوزراء ممثلاً للسودان في أكبر محفل أممي فاجأ كثيرين.. وأربك حسابات المليشيا التي بنت إستراتيجيتها على أن التمثيل الخارجي سيكون حصراً بيد المكون العسكري.. والفريق أول البرهان تحديداً..
لقد كانت المشاركة المدنية.. بحد ذاتها.. إعلاناً أن السودان قادر على إعادة تعريف نفسه أمام المجتمع الدولي.. وأن خيار الدولة المدنية الذي تنادي به القوي المتحالفة مع المليشيا لم يعد (فزاعة) منطقية لها..وأنه قادر على فرض وجوده بيد الدولة نفسها.. اللقاءات التي أجراها الوفد على هامش الإجتماعات حملت دلالات أبعد من المجاملات الدبلوماسية.. دعوات لدعم عملية السلام.. إشارات لإلتزامات مبدئية بشأن إعادة الإعمار..ونقاشات جدية حول مسار الإنتقال السياسي..
الأثر الأبرز كان على الداخل..فقد وجد السودانيون أنفسهم أمام صورة جديدة للسودان.. صورة دولة بدأت تستعيد شرعيتها الدولية بوجه مدني (كامل) التفاصيل ..محدد المسارات والمهام.. وقد ظهر ذلك سريعاً في أرتباك خطاب المليشيا الذي فقد توازنه.. بعدما صُدم من هذا الإختراق غير المتوقع..
(2)
القاهرة على الخط..
على الصعيد الإقليمي.. برزت زيارة وزير الخارجية المصري د. بدر عبد العاطي إلى مدينة بورتسودان هذا الإسبوع كأحد أهم التطورات.. فقد إلتقى الوزير المصري برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.. حاملاً رسالة دعم واضحة من الرئيس عبد الفتاح السيسي..الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية.. حيث تسعى مصر لتثبيت حضورها كداعم أساسي لمؤسسات الدولة السودانية.. في مقابل محاولات إقليمية ودولية لتقويض هذه المؤسسات أو تحييدها..عبد العاطي أكد خلال لقائه على التزام القاهرة بأمن واستقرار السودان.. وعلى وحدة المصير بين البلدين في ملف مياه النيل..
دلالات الزيارة..
إعادة التموضع المصري:
مصر تعلن بوضوح أن أستقرار السودان من أمنها القومي.. وأنها لن تسمح بسقوط مؤسسات الدولة..
النيل:
التأكيد على وحدة الموقف تجاه ملف النيل رسالة مزدوجة للداخل السوداني ولأطراف خارجية.. بأن القاهرة والخرطوم في خندق واحد ضد أي إجراءات أحادية تمس تدفقات النهر..
المعنى السياسي:
لقاء بورتسودان حمل بعداً رمزياً قوياً.. فالعاصمة المؤقتة تحولت إلى منصة للشرعية.. فيما بدا وكأن القاهرة تسعى لقطع الطريق أمام أي محاولات لإضعاف الدولة المركزية..
الزيارة لم تقف عند التصريحات.. بل يُنتظر أن تُترجم إلى تفاهمات إقتصادية وأمنية خلال الأسابيع المقبلة..بما قديشمل تنسيقاً في مراقبة الحدود.. وتبادل الدعم الفني..وربما إتفاقات لتخفيف أعباء السودان الإقتصادية..
(3)
المليشيا في مأزق.. أرتباك إعلامي وتصدع في الخطاب..
الأحداث الدبلوماسية لم تمر مرور الكرام على معسكر المليشيا.. فقد بدت غرفها الإعلامية في حالة تخبط واضحة..المليشيا التي بنت خطابها على توقع مشاركة رئيس مجلس السيادة في نيويورك فوجئت بأن الوفد يقوده رئيس الوزراء.. لتفقد بذلك أهم أوراقها الدعائية..
إلى جانب ذلك.. لعبت الجاليات السودانية في أوروبا وأمريكا دوراً محورياً في محاصرة خطاب المليشيا..فقد واجهت الفعاليات التي حاولت الأخيرة تنظيمها موجات إحتجاج صاخبة.. أفسدت التجمعات وأفشلت محاولات الظهور بمظهر الممثل الشرعي..أو حتي الباحث عن موطء قدم..
النتيجة.. إرتباك داخلي في خطاب المليشيا.. تراجع في معنويات حلفائها السياسيين.. وظهور تجمعات مثل “صمود” بمظهر العاجز عن السيطرة على المشهد..فبدت متخبطة لا تجانس بين خطها السياسي وخطابها الإعلامي..
(4)
الفاشر.. قلب المعركة ..
على الأرض.. جاء الحدث الأبرز من مدينة الفاشر..حيث نفذت القوات المسلحة عملية إسقاط جوي مباغتة أربكت حسابات المليشيا.. وفتحت باباً واسعاً من الأمل في خطوات إستعادة المدينة..
الفاشر التي أصبحت رمزاً لمعركة الكرامة.. أعادت العملية الأخيرة الثقة في قدرة الجيش على المبادرة وفك الحصار عنها.. وأشعرت المواطنين أن الدولة تقترب من إستعادة زمام الأمور.. هذا الشعور إمتد إلى الشارع السوداني عامة الذي تلقى الخبر كبشارة بقرب لحظة إسترداد المدن والمناطق التي تسيطر عليها المليشيا..
(5)
نيالا.. تدمير منظومة التشويش ..
بالتزامن مع الإسقاط الجوي في الفاشر نفذ الجيش ضربة نوعية أخرى في نيالا.. حيث دمر منظومة متقدمة للتشويش والدفاع الجوي كانت المليشيا تعتمد عليها لحماية مواقعها..الضربة مثلت تحولاً نوعياً في سير العمليات إذ جردت الخصم من أحد أدواته الرئيسية في الحرب..
الخسارة لم تنحصر في الميدان فقط..بل خاطبت البعد الإستراتيجي فقد أصبح واضحاً أن الجيش لم يعد يكتفي بالدفاع..بل يتحرك بعمليات دقيقة تقطع أوصال الإمداد ويحاصر المليشيا ..ويجفق منابعها.. ويفقدها ثقة مقاتليها..
(6)
الملف الصحي.. إستقرار نسبي تحت التحدي..
على صعيد آخر.. بدأت الأوضاع الصحية في السودان تُظهر بوادر إستقرار نسبي.. خصوصاً في ولاية الخرطوم.. إلا أنه لايزال هشاً.. ويقف على حافة التحديات..
فالأمراض المستوطنة مثل الكوليرا وحمى الضنك لا تزال تهدد.. فيما تعمل السلطات على حملات تطعيم ومكافحة ناقلات الأمراض.. لكن مع ذلك.. يظل النظام الصحي مثقلاً بضعف البنية التحتية.. وتدهور شبكات المياه والصرف الصحي..
التحدي الأكبر الآن هو الإستدامة.. هل يمكن للنظام الصحي أن يصمد أمام الضغط المتزايد في ظروف الحرب؟ أم أن أي إنتكاسة صغيرة قد تعيد الفوضى إلى المشهد؟..
(7)
الفيضان.. إختبار للدولة والمجتمع..
أحد أكثر المشاهد درامية هذا الإسبوع كان ارتفاع مناسيب النيل بصورة غير متوقعة.. وفي توقيت غير معتاد.. ففي وقت يفترض أن تنحسر فيه المياه.. إرتفعت لمستويات مقلقة.. لتغمر المزارع في إقليم النيل الأزرق.. وتهدد مناطق الهشاشة على ضفاف النيلين والنيل الرئيسي..
محطة الخرطوم سجلت منسوباً تجاوز (17) متراً وهو إرتفاع خطير جعل السلطات تطلق إنذارات عاجلة.. مناطق بأكملها في ولاية الخرطوم تضررت.. فيما دخلت فرق الطوارئ في سباق مع الزمن للسيطرة على الوضع..
التهديد ليس بيئياً فقط..بل هو إقتصادي وزراعي.. فغرق المزارع في النيل الأزرق يعني خسارة جزء من الموسم الزراعي.. وهو ما سينعكس على الأمن الغذائي.. بينما يشكل الضغط على البنى التحتية المتهالكة تحدياً إضافياً أمام السلطات..ومع إستمرار التهديد وتباعد خطوط الدعم والطوارئ فقد يشكل الأمر نقطة ضغط أخري لتحديات الدولة في أمر البيئة والخدمات..خاصة بعد إطلاق نداءات إستغاثة متصاعدة في مناطق جنوب وشمال الخرطوم التي قد تنفجر في أي وقت ما لم يتم رفع مستوي التعامل معها..
(8)
خلاصة المشهد: معركة الشرعية ..
يمكن تلخيص مشهد الإسبوع في ثلاثية مترابطة:
1. الشرعية الدولية: مشاركة رئيس الوزراء في نيويورك ونجاحها أعاد للسودان موقعاً طال غيابه..
2. الشرعية الإقليمية:
زيارة وزير الخارجية المصري أظهرت أن القاهرة ترى في استقرار الخرطوم ضرورة استراتيجية.. وأنها مستعدة لدعم الدولة السودانية في وجه المليشيا.
3. الشرعية الميدانية والمجتمعية:
العمليات في الفاشر ونيالا..والحراك المدني للجاليات..أعاد للناس الثقة بأن الدولة قادرة على الفعل..وأن التحرير الكامل بات وشيكاً..
وفي مقابل ذلك.. جاءت الطبيعة بإمتحان جديد عبر فيضان غير متوقع.. لتستمر معركة الدولة السودانية ضد المليشيا.. وأيضاً ضد تحديات البيئة والبنى التحتية والإقتصاد..
هكذا بدا الإسبوع: مشهد متداخل بين السياسة والدبلوماسية.. الميدان والعسكر.. البيئة والطبيعة.. إذا أستطاعت الدولة أن تُترجم إختراقاتها الدبلوماسية إلى دعم عملي..وأن تستثمر المواقف المصرية والإقليمية لصالحها.. وتتعامل بحزم مع الفيضان وتبعاته..فقد يكون هذا الإسبوع بداية إنعطاف جديد حقيقي في مسار الأزمة السودانية..
تنتقل هذه المستجدات ..كتطور ميداني طبيعي للمشهد السودان ليستلمها الإسبوع القادم وتضاف لروزنامة أول الإسبوع المثقل بالتحديات ..الحافل بالإختراقات.





