عندما تتنصل شركات التأمين عن ادعائها بتبني التأمين التكافلي!! بقلم: نعمان يوسف محمد

عندما تتنصل شركات التأمين عن ادعائها بتبني التأمين التكافلي!!

بقلم: نعمان يوسف محمد

لطالما رفعت شركات التأمين في السودان شعار “التأمين التكافلي” بإعتباره المنهج الشرعي والأخلاقي الذي يحكم نشاطها، ويُفترض أن يعكس مبادئ التكافل والتضامن وتحمل المخاطر المشتركة.
غير أن الواقع المؤلم كشف عن تناقض صارخ بين الإدعاء والممارسة، خاصة فيما يتعلق بالتمويل الأصغر، أحد أكثر القطاعات حساسية وأهمية في تحقيق الشمول المالي والتنمية الإجتماعية.

وثيقة شاملة… ولكنها بلا حماية حقيقية:
تشير الإحصاءات إلى أن ما يقارب 55% من عمليات التمويل الأصغر في السودان تتم تغطيتها عبر ما يسمى بـ”الوثيقة الشاملة لتأمين التمويل الأصغر”. هذه الوثيقة صُممت – نظريا – لتكون مظلة أمان للمؤسسات الممولة، بحيث تُعالج حالات التعثر والإعسار الناتجة عن مخاطر خارجة عن إرادة العملاء. لكن ما حدث عمليا هو أن هذه الوثيقة تحولت إلى مجرد “نص على ورق”، بعدما تنصلت شركات التأمين عن إلتزاماتها وسد أبواب التعويض في وجه المطالبات.

تبرير واهٍ: الحرب ليست مغطاة!
الحجة الرئيسية التي تتذرع بها شركات التأمين لتبرير رفضها سداد المطالبات هي أن الوثيقة لا تغطي “مخاطر الحروب”. صحيح أن معظم وثائق التأمين عالميا تستثني الحروب والكوارث الكبرى من التغطية، لكن السؤال الجوهري هنا: ما جدوى التأمين التكافلي إذا لم يتدخل في لحظة الإنكسار الكبرى التي تتعرض لها المؤسسات والعملاء؟ أليس مبدأ التكافل يعني المشاركة في حمل الأعباء وقت الشدة لا التنصل منها؟ وهل كان التمويل الأصغر في حاجة إلى التأمين أصلا لولا هذه المخاطر غير المتوقعة؟

نتيجة خطيرة: التمويل الأصغر ينهار مرتين
الآثار المباشرة لهذا التنصل جسيمة:
خسائر مالية ضخمة تتحملها مؤسسات التمويل الأصغر وحدها، ما يهدد وجودها وإستمراريتها.

تآكل الثقة في صناعة التأمين برمتها، وفقدانها لمصداقيتها أمام الرأي العام وأمام الممولين الدوليين.

ضرب فلسفة التمويل الأصغر التي تقوم على حماية الشرائح الضعيفة من الإنهيار المالي والإجتماعي.

بين التكافل والشركات التجارية
وما يجري اليوم يكشف أن كثيرا من شركات التأمين في السودان تتبنى خطاب “التكافل” للتسويق فقط، بينما تدار على أرض الواقع بعقلية تجارية بحتة لا تختلف عن شركات التأمين التقليدية، وربما أشد قسوة في التنصل عند لحظة الإختبار. وهذا يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل نحن أمام “تأمين تكافلي” أم مجرد “واجهة دينية” لنشاط ربحي صرف؟

المطلوب: تدخل تنظيمي وإنصاف عاجل..
إذا كانت شركات التأمين عاجزة عن الوفاء بإلتزاماتها تجاه التمويل الأصغر، فإن المسؤولية تقع مباشرة على عاتق الجهات الرقابية والتنظيمية – وعلى رأسها الهيئة العامة للرقابة على التأمين وبنك السودان المركزي – لإتخاذ موقف واضح. إما إلزام هذه الشركات بإحترام عقودها ودفع التعويضات المستحقة، أو إعادة صياغة الوثيقة الشاملة بما يضمن حماية حقيقية لمؤسسات التمويل الأصغر وعملائها.

خاتمة
لقد آن الأوان لكشف هذه المفارقة الصارخة: شركات تزعم أنها “تكافلية”، لكنها عند أول إختبار عملي تتبرأ من التكافل وتتنصل من إلتزاماتها. وإستمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن قطاع التمويل الأصغر – الذي يدعم ملايين الفقراء وصغار المنتجين – سيظل بلا مظلة حماية، وأن صناعة التأمين التكافلي في السودان ستفقد ما تبقى لها من ثقة ومصداقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top