آخر الأسبوع
تقرير تحليلي:علم الدين عمر
6 محاور شكلت ملامح الإسبوع..
إستعادة الدولة وتهاوي المليشيا..
خطاب الرئيس من مطار الخرطوم: .. إستعادة المبادرة..
خطاب دقلو.. وغروب شمس المليشيا.
لقاءات البرهان والمبعوث الأمريكي.. اشتراطات السودان لتأكيد السيادة
الدولة تعمل وتنتصر.. إعلان نتائج الشهادة السودانية وأستمرار الخدمات..
إختراق دبلوماسي في منتدى أسوان: عودة السودان إلى المنصات الأقليمية..
(1)
خُتم هذا الإسبوع بإلقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان خطاباً من مطار الخرطوم الدولي.. مؤكداً أن الدولة السودانية لا تزال ممسكة بزمام الأمور في قلب العاصمة الخرطوم وأن مؤسساتها تعمل بثقة رغم الحرب..
إختيار المطار لم يكن محض صدفة..بل إشارة ذكية إلى استعادة السيادة على أهم منشأة مدنية في البلاد.. وإلى قدرة الدولة على العمل رغم محاولات المليشيا المتكررة لإشاعة الفوضى واستهداف البنية التحتية..
الخطاب حمل رسائل متعددة..أبرزها أن السودان ماضٍ في طريق إستعادة الدولة الوطنية كاملة السيادة.. وأن الحرب لم ولن تُسقط مؤسسات الدولة ولا إرادة الشعب..
كما وجه البرهان تحذيراً واضحاً إلى من يسعون لفرض حلول تنتقص من سيادة السودان.. مشدداً على أن أي تسوية لا تنهي التمرد وتعيد هيبة الدولة هي تسوية مرفوضة شكلاً وموضوعاً..
(2)
خطاب دقلو.. إدانة ذاتية تكشف تهافت المليشيا..
في المقابل.. خرج قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بخطاب متلفز هذا الإسبوع.. في محاولة يائسة لتبرئة مليشياته من جرائم قصف المدنيين والمواقع الحيوية بالطائرات المسيرة..
لكن الخطاب جاء بنتائج عكسية.. إذ اعترف دقلو ضمنياً بمسؤولية قواته حين أشار إلى أن استهداف مطار الخرطوم والطائرات المدنية يدخل في “نطاق الأهداف المشروعة”.. وهو ما ثبّت التهمة عليه وعلى مليشيته قانونياً وأخلاقياً..
تلك التصريحات أثارت غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية والإعلامية.. لأنها كشفت منهج المليشيا في معاداة الشعب والدولة.. ومحاولتها تبرير الإرهاب الممنهج ضد المدنيين..
لقد سعى دقلو لتصوير الحرب وكأنها صراع بين طرفين متكافئين.. بينما الواقع يثبت أن مليشيته هي الطرف المعتدي والمستهدف للبنى المدنية والبشرية..ففي حين ظلت الدولة تلتزم بمبدأ حماية المدنيين والحفاظ على المؤسسات العامة..إستمرت المليشيا في إنتهاكاتها الموثقة وظل منسوبيها من المتمردين والمرتزقة يمدون ألسنتهم لقائدهم المغيب.. ربما عمداً بتوثيقهم لكل إنتهاك يقومون به ضد المدنيين والمواقع المدنية..
الخطاب مثل نقطة تحول في الرأي العام.. حيث أصبح واضحاً أن المليشيا فقدت أي مبرر سياسي أو أخلاقي لاستمرارها.. وأنها تقاتل فقط من أجل البقاء والابتزاز السياسي.. بعد أن سقطت عنها كل أقنعة “العدالة” و”الحرية” التي حاولت الاحتماء بها.
(3)
لقاءات البرهان والمبعوث الأمريكي…
من أبرز التطورات خلال الإسبوع..ما رشح عن اللقاءات التي جمعت رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالمبعوث الأمريكي الخاص مسعود بولس.. في إطار الجهود الدولية لإحياء خطة الآلية الرباعية الرامية إلى إنهاء الحرب ودعم الانتقال السياسي في السودان..
خلال المباحثات.. أكد البرهان أن موقف السودان ثابت وواضح: لا تفاوض مع مليشيا متمردة ما لم تضع السلاح..وأن أي مبادرة خارج هذا الإطار تمثل مساساً بسيادة السودان وكرامته الوطنية..
كما شدد على أن الدولة السودانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بإدارة المرحلة المقبلة.. وأن إعادة الإعمار وبناء السلام لن يتما إلا عبر مؤسساتها الرسمية..
لقاء البرهان بالمبعوث الأمريكي أعاد وضع الحدود الفاصلة بين الدولة والتمرد أمام المجتمع الدولي.. وذكر بأن السودان لا يمكن أن يُختزل في مليشيا خارجة عن القانون..
وقد رشحت أنباء عن تفاهمات إيجابية حول ضرورة الحفاظ على وحدة السودان ووقف الدعم الخارجي للمليشيا..مع تأكيد واشنطن على أولوية الحل السياسي الشامل الذي يقود إلى سلام مستدام..وليس إلى تقسيم أو محاصصة..
بهذا الموقف الصلب.. ثبت البرهان موقف السودان في عدم التعامل من موقع الضعف..وفرض خياره في أن تحترم الدولة التزاماتها وتدافع عن سيادتها في وجه محاولات فرض الوصاية أو تدويل الأزمة..
(4)
الدولة تعمل وتنتصر..
خلال الإسبوع..وبشكل مباغت إستطاعت مؤسسات الدولة أن تحقق اختراقاً نوعياً جديداً تمثل في إعلان نتائج امتحانات الشهادة السودانية من الخرطوم..
هذا الإنجاز الإداري والتربوي جاء ليؤكد أن الدولة أحكمت سيطرتها بالكامل علي الملفات السيادية وملفات الأمن القومي.. وأن العملية التعليمية تسير بصورة منظمة وأوصلت رسالة معنوية قوية بأن جيل المستقبل لا يُرتهن لمليشيا ولا حرب..وأن الدولة تضع التعليم في صميم أولوياتها..
تزامن ذلك مع عودة تدريجية للحياة المدنية في العاصمة وعدد من الولايات.. و أستمرار افتتاح بعض فروع بنك الخرطوم والمؤسسات الخدمية.. واستمرار أنشطة الشركة السودانية للموارد المعدنية التي حققت إنجازات معتبرة في قطاع الصادر..
كل ذلك يعكس أن الدولة تعمل بخطة وإستراتيجية واضحة لإعادة الدورة الاقتصادية والاجتماعية وأنها تتقدم بثقة نحو أستعادة كامل قدراتها المؤسسية..
(5)
اختراق دبلوماسي في منتدى أسوان:
على الصعيد الخارجي.. مثلت مشاركة وزير الخارجية السوداني وسفير السودان لدي مصر في منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين إنجازاً دبلوماسياً لافتاً خلال الإسبوع وأحد أبرز مظاهر عودة السودان إلى المنصات الإقليمية والدولية بعد غياب قسري فرضته الحرب..
الوزير استعرض في كلمته رؤية السودان للسلام والتنمية وإعادة الإعمار..مؤكداً أن الحل الحقيقي يكمن في دعم مؤسسات الدولة وليس مكافأة المتمردين..
وعلى هامش المنتدى.. أجرى سلسلة لقاءات مهمة مع وزراء ومسؤولين من دول عربية وإفريقية..ركزت على تعزيز الدعم الإنساني والسياسي للسودان وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي..
مشاركة السودان في هذا المحفل الإقليمي تمثل تأكيداً على انفتاحه الدبلوماسي المتوازن.. وعلى أنه يسير بخطى واثقة نحو استعادة مكانته الإقليمية والدولية كدولة مسؤولة تسعى للسلام عبر المؤسسات..والدبلوماسية الإحترافية.
(6)
قراءة تحليلية: الميدان والسياسة يؤكدان أن المليشيا إلى زوال..
تظهر معطيات الإسبوع بوضوح أن ميزان القوة يميل تدريجياً لصالح الدولة السودانية.. وبينما تترنح المليشيا بين الانهيار الميداني والانكشاف الأخلاقي..
التحليل العام يمكن تلخيصه في ثلاث معادلات رئيسية:
1. انكشاف المليشيا واعترافها الضمني بجرائمها:
خطاب دقلو الأخير لم يكن سوى إقرار رسمي بالعدوان على المدنيين..مما يضع المليشيا في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والمجتمع الإنساني..
2. تسارع وتيرة عمل الدولة واستعادة المبادرة:
من مطار الخرطوم إلى إعلان الشهادة السودانية.. ومن اللقاءات الدولية إلى الانفتاح الدبلوماسي..بدأت ملامح العمل المؤسسي بالبروز بشكل أكبر خلال الإسبوع..
3. التموضع الدبلوماسي الجديد للسودان:
مشاركة وزير الخارجية وسفير السودان لدي مصر في منتدى أسوان ولقاء البرهان بالمبعوث الأمريكي يمثلان إختراقا في مسار السودان للخروج من العزلة وأستعادة الوجود في المنابر الإقليمية والدولية كدولة ذات سيادة كاملة..
أخيراً..
السودان هذا الإسبوع بدا أكثر ثقة وتماسكاً من أي وقت مضى..
الدولة تمسك بخيوط المبادرة.. والمليشيا تفقد الأرض والشرعية..
خطاب البرهان من مطار الخرطوم أكد أن الدولة حاضرة وفاعلة.. بينما فضح خطاب دقلو مشروعه التدميري وعداءه للشعب..
لقاءات البرهان مع المبعوث الأمريكي ونجاح الخارجية في منتدى أسوان يؤكدان أن السودان يعود بهدوء إلى دوره الطبيعي كدولة ذات سيادة وتموضع إستراتيجي جغرافيا..
إنها مرحلة جديدة من الحرب.. لكنها أيضاً بداية التحول نحو النصر السياسي والميداني..
فالدولة تمضي لتبني.. والمليشيا تتهاوى في عزلتها..
والسودان.. رغم الجراح..يتحرك نحو الإسبوع القادم بقوة وثبات وإختراقات كبيرة ..مليئة بالتحدي ..وصاخبة ..ولكنها حتمية..






