حاجب الدهشة
علم الدين عمر
“المباحثات ” والتفاوض دقة المفاهيم ومقتضيات المرحلة..إنهم يغبشون الوعي!!!..
في خضم السجال الدائر حول طبيعة الإتصالات والمباحثات التي تجريها الدولة السودانية مع عدد من العواصم الإقليمية والدولية.. لابد من التفريق بوضوح بين المباحثات الدبلوماسية المشروعة التي تخص علاقات السودان الخارجية.. وبين ما يُروَّج له أحياناً – عن قصد أو جهل – من وجود تفاوض بين الجيش الوطني والمليشيا الإرهابية..
هذا الخلط ليس بريئاً في كثير من الأحيان.. بل يُراد به تشويه الموقف الرسمي للدولة السودانية.. وتجريدها من حقها السيادي في إدارة علاقاتها الخارجية عبر القنوات الدبلوماسية المعترف بها..
فالمباحثات التي تجريها وزارة الخارجية السودانية مع واشنطن – أو غيرها من العواصم المؤثرة – تدخل في إطار التواصل الطبيعي بين الدول.. وتستهدف توضيح الحقائق..وتمليك متخذ القرار الأمريكي رؤية الحكومة السودانية بشأن مسار الحرب والحلول المطروحة من الوسطاء..هذا عمل سيادي بامتياز..يهدف إلى توجيه دور الولايات المتحدة كوسيط محتمل نحو مسار أكثر اتزاناً وعدلاً.. بحيث لا تُفرض على السودان حلول منقوصة أو مسارات مجحفة بحق سيادته ووحدة أراضيه..
أما التفاوض مع المليشيا المتمردة فله طبيعة مغايرة تماماً. هو شأن سياسي–عسكري.. تقوده وفود مختلفة في تركيبتها وأهدافها.. وتتعلق موضوعاته بمسائل وقف العدائيات.. والترتيبات الأمنية.. وفق مرجعيات وطنية.. ولا يمكن – بأي حال – الخلط بين هذا النوع من التفاوض وبين المباحثات الدبلوماسية التي تُعنى بملفات العلاقات الثنائية أو التعاون الدولي..
الفارق هنا ليس شكلياً.. بل جوهري في المعنى والدلالة.. فالتفاوض مع التمرد يُفترض أن يتم من موقع الدولة وسيادتها..وإملاءات الميدان وإرادة الشعب.. بينما التباحث مع الدول يندرج ضمن صميم عمل الخارجية السودانية التي تمثل واجهة الدولة أمام العالم..ويتقاطع في ذلك ملف الخارجية مع الداخلية مع المؤسسات السيادية بما فيها الجيش أو جهاز المخابرات أو حتي الشرطة ..
في هذا السياق فإن محاولة بعض المنابر الإعلامية أو الجهات المرتبطة بالمليشيا تصوير الإتصالات مع واشنطن وكأنها مفاوضات بين “طرفين متحاربين” ليست سوى امتداد لحملة التضليل السياسي التي تسعى لتدويل الأزمة وتكريس واقع الانقسام..والندية.. فواشنطن ليست وسيطاً في نزاع داخلي بين جيش ومتمردين.. بقدر ما هي شريك دولي مؤثر يمكنه الإسهام في دعم الإستقرار إذا ألتزم بقراءة عادلة ومتوازنة للمشهد..
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن السودان.. وهو يعيد بناء مؤسساته ويستعيد موقعه الطبيعي في الإقليم.. يتحرك بدبلوماسية واعية تستند إلى مرجعية الدولة وليس الأفراد.. وإلى رؤية وطنية تحافظ على المصالح العليا..والأمن القومي وإرادة الدولة في إمضاء موجهاتها وفقاً لذلك..
وعليه، فإن أي حديث عن “تفاوض” خارج هذا الإطار لا يعدو كونه محاولة لخلط الأوراق وإضعاف الموقف الرسمي.. في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب واضح وصارم يميز بين التباحث الدبلوماسي المسؤول والتفاوض السياسي الذي لا يُدار إلا بإرادة الدولة وجيشها الوطني..
بهذا الفهم الدقيق.. يصبح التمييز بين مباحثات الدولة وتفاوضها مع التمرد ضرورة إستراتيجية لحماية الخطاب الوطني من التشويش.. وصون صورة السودان كدولة ذات سيادة تتحرك في الساحة الدولية بثقة.. ووفق منطق الدولة وليس متحركات الصراع..
إلي ذلك ظللنا نؤكد دائماً أن الدولة من حقها التحرك وفق ما تراه دون تردد أو خوف أو تحسس لصدي حركتها في كافة المحاور والمسارات..فتلك وظيفتها..وهي وحدها المسؤولة عنها أمام شعبها وأمام التاريخ..






