حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
آن للسودان أن يعانق روسيا
استوقفتني تغريدة السيد مسعود بوليس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، التي طالب فيها ميليشيا الدعم السريع بحماية المدنيين في مدينة الفاشر، في تجاهل تام للقوات المسلحة السودانية وأجهزة الدولة الرسمية، ولعل هذه التغريدة التي أسالت الكثير من الحبر، وأثارت موجة واسعة من الانتقادات، تمثل في جوهرها إضفاء شرعية غير مباشرة على ميليشيا متمردة ارتكبت جرائم موثقة في حق المدنيين، وهي خطوة تكشف بوضوح ازدواجية الموقف الأمريكي وعدم احترامه لسيادة السودان وحكومته، ولو كانت واشنطن جادة فعلاً في حرصها على حياة المدنيين، لألزمت الدعم السريع بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي ورفع حصاره عن الفاشر بدلاً من مكافأته بلغة دبلوماسية ناعمة تخفي خلفها نوايا سياسية مكشوفة.
إن ما صدر عن الإدارة الأمريكية يعزز قناعة متنامية بأن المواقف الغربية تجاه السودان لا تحكمها القيم ولا المبادئ، بل المراوغات والمناورات التي لا تخلو من تكتيكات سياسية تحركها المصالح البحتة، وهو ما يستدعي من الخرطوم إعادة ترتيب بوصلتها الخارجية والبحث عن شركاء حقيقيين يحترمون إرادتها الوطنية، وهنا تبرز أهمية توثيق التعاون مع روسيا التي أظهرت تفهماً أعمق لطبيعة الصراع في السودان، وحرصاً أوضح على دعم مؤسسات الدولة السودانية، فالتنسيق السياسي والعسكري مع موسكو سيمكن السودان من بناء توازن استراتيجي في علاقاته الدولية، ويكسر حالة الارتهان للمواقف الغربية المتقلبة.
إن تعاون السودان، وشراكته الذكية مع روسيا لا ينبغي أن يكون تكتيكاً عابراً، بل خياراً استراتيجياً طويل المدى يقوم على المصالح المشتركة، ذلك أن روسيا تملك خبرة عسكرية وتقنية متقدمة، ويمكن أن تسهم بفاعلية في تطوير قدرات الجيش السوداني وإعادة تأهيل منظومته الدفاعية، كما أن التفاهمات السابقة حول إنشاء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر يمكن أن تمنح السودان مكاسب اقتصادية وأمنية مهمة، وتعيد إليه مكانته كمحور جيوسياسي فاعل في الإقليم، خاصة في ظل تنافس القوى الكبرى على الممرات البحرية ومصادر الطاقة.
إن التحالف مع موسكو سيمنح السودان مجالاً أوسع للمناورة السياسية، ويقوّي موقفه التفاوضي في المحافل الدولية، ويفتح أمامه الباب واسعاً لحركة استثمارات ضخمة في مجالات التعدين والطاقة والبنية التحتية، فروسيا تبحث عن شركاء موثوقين في أفريقيا، والسودان يمتلك ما يؤهله لأن يكون أحد أبرز تلك الشراكات إذا ما أحسن التخطيط والإدارة.
والواقع فإن العديد من الضروريات الواقعية والوطنية، والمعطيات الراهنة التي ظل يعيشها السودان منذ الخامس عشر من أبريل 2023م، تملي على الخرطوم التوجه نحو موسكو، فالعلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف ولا على الوعود، بل على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، ولأن واشنطن أثبتت أنها لا تنظر إلى الخرطوم إلا من زاوية مصالحها، فإن الرهان على الشرق، وعلى روسيا تحديداً، هو الخيار الأكثر واقعية وعقلانية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.






