شهادات مروعة لنساء مع رضع قطعوا 70 كيلومتراً هرباً من جحيم المليشيا ..
الجنجويد في الفاشر ..الحرب على النساء والأطفال..
الحرامة:رحمة عبدالمنعم
منظمة “أنقذوا الأطفال”: الأمهات فررن سيراً على الأقدام لأربعة أيام دون طعام أو ماء
الأمم المتحدة: التمرد يستخدم التجويع كسلاح حرب ضد المدنيين
منسقة الشؤون الإنسانية: المليشيا منعت بعض السكان من مغادرة الفاشر
شهادات مروّعة لناجين: قتل على الهوية واغتصاب ونهب في الشوارع
منظمة للهجرة: أكثر من 25 ألف نازح وصلوا إطويلة معظمهم نساء وأطفال
ناحية :شاهدتُ جيراني يُقتلون أمام عيني، وسُلبت مني كل ممتلكاتي
الكرامة : رحمة عبدالمنعم
تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أحلك فصول المأساة الإنسانية في السودان، حيث تحوّلت المدينة إلى مصيدة للمدنيين المحاصرين وسط تصاعد الهجمات والانتهاكات التي تنفذها مليشيا الدعم السريع، وفق تقارير أممية وشهادات مؤلمة للناجين،وفي الوقت الذي لا يزال عشرات الآلاف من النساء والأطفال محاصرين داخل المدينة، تمكنت آلاف الأمهات من الفرار سيراً على الأقدام لمسافة تصل إلى 70 كيلومتراً إلى محلية طويلة، بعد رحلة شاقة استغرقت أربعة أيام في طرق وعرة وتحت ظروف قاسية من الجوع والعطش والخوف.
رحلة الموت
في تقرير صدر أمس الأول الخميس عن منظمة “أنقذوا الأطفال” الدولية، قالت المنظمة إنها وثّقت شهادات مروّعة لنساء فررن من الفاشر بعد أن تعرضن لهجمات مباشرة من رجال مسلحين على دراجات نارية، يُعتقد أنهم من عناصر الدعم السريع، كما أفادت النساء بأن بعضهنّ تعرّضن للسرقة والاعتداء أثناء الرحلة.
وأضاف التقرير أن النساء والأطفال الذين تمكنوا من الوصول إلى محلية طويلة بعد سيرٍ متواصل لأربعة أيام “قطعوا 70 كيلومتراً دون طعام أو ماء”، مشيراً إلى أن معظمهم يعتمدون حالياً على مساعدات إنسانية “كانت ضعيفة أصلاً قبل التصعيد الأخير للعنف في شمال دارفور”.
إحدى النساء اللائي تحدثن للمنظمة روت تفاصيل مروعة عن الطريق بين الفاشر وطويلة:شاهدتُ جيراني يُقتلون أمام عيني، وسُلبت مني كل ممتلكاتي، ولم يكن أمامي سوى النجاة بأطفالي”، وقالت إحدى الأمهات التي وصلت إلى طويلة أنها فقدت اثنين من أقاربها خلال الرحلة.
كارثة إنسانية
وحذّرت كالات الإغاثة الدولية في بيان مشترك الأسبوع الماضي من “كارثة إنسانية وشيكة في الفاشر”، مطالبةً بضرورة إتاحة وصول الإمدادات الإنسانية والتجارية دون عوائق، وتوفير ممرات آمنة للمدنيين الراغبين في مغادرة المدينة المحاصرة.
وقالت الوكالات إن مئات الآلاف من المدنيين، بينهم قرابة 130 ألف طفل، محاصرون داخل المدينة، حيث تنتشر مليشيا الدعم السريع في المعابر والممرات والشوارع، مانعةً المدنيين من الخروج أو دخول المساعدات الإنسانية.
وفي السياق ذاته، قدّرت المنظمة الدولية للهجرة عدد الذين وصلوا إلى منطقة طويلة بعد السيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر بأكثر من 25 ألف نازح، معظمهم من النساء والأطفال الذين وصلوا منهكين، بعد أن ساروا أيّاماً في العراء دون غذاء أو ماء.
الأمم المتحدة
وقالت منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون في تصريحات صحفية، إن أعداد الفارين الذين كانوا يقطعون المسافات سيراً على الأقدام إلى منطقة طويلة “قد انخفضت بشدة”، وهو ما اعتبرته مؤشراً على أن قوات الدعم السريع “شدّدت الخناق على المدينة ومنعت المدنيين فعلياً من المغادرة.
وأضافت براون:إن المدنيين في الفاشر محبوسون في مكان لا يستطيعون فيه الوصول إلى الغذاء، وهو ما يعادل استخدام التجويع كسلاح حرب.”
وأكدت المسؤولة الأممية أن هذا النمط يُظهر توجهاً متكرراً لدى المليشيا بالسيطرة على المدن وتحويلها إلى حصون مغلقة لا يدخلها أحد ولا تخرج منها المساعدات، مشددة على ضرورة توثيق الانتهاكات لضمان العدالة والمساءلة مستقبلاً.
قتل واغتصاب
في الوقت الذي يصعب فيه الوصول إلى المنطقة بسبب انقطاع الاتصالات ووعورة الطرق، نقلت شبكة (بي بي سي) البريطانية شهادات مباشرة من بعض الناجين الذين وصلوا إلى طويلة بعد فرارهم من الفاشر، وصفوا فيها مشاهد مروّعة لما تعرضوا له من قتل على الهوية، واغتصاب، ونهب، وحرق للمنازل.
تقول زينب، 44 عاماً، وهي أم لستة أطفال نجت من المدينة بعد مقتل زوجها :كنت أعيش في حيّ الدرجة وسط الفاشر، قبل أسابيع قُصف منزلنا في حيّ الريف، فانتقلنا إلى الدرجة نبحث عن الأمان،لكن عندما اقتربت مليشيا الدعم السريع من الحيّ، قررنا الهروب، خرج زوجي ليبحث عن وسيلة نقل، لكنه لم يعد… وجدناه قتيلاً.”
وتتابع زينب وهي تجلس مع أطفالها تحت شجرة هزيلة في طويلة:قلت في نفسي سنموت في كل الأحوال، خرجنا سيراً على الأقدام، ورأيت جثثاً في كل مكان… بعد أيام من السير وجدنا صاحب عربة (كارو) تجرها دابة، فوافق على نقلنا خارج المدينة. كانت رحلة بين الموت والحياة.”
الصمت والدمار.
وتُظهر الشهادات والتقارير المتطابقة أن مدينة الفاشر باتت رمزاً لمعاناة المدنيين في حربٍ اتخذت من المدن ساحةً لتصفية الحسابات العسكرية،فالمليشيا التي سيطرت على المدينة حولتها إلى منطقة مغلقة، محاصرة من جميع الجهات، فيما تتكدّس جثث المدنيين في الشوارع، وتغيب المساعدات، وتتلاشى فرص النجاة.
المنظمات الإنسانية تحذر من أن الأوضاع داخل الفاشر مرشحة لتتحول إلى مجاعة جماعية، خاصة في ظل انقطاع الإمدادات وانهيار الخدمات الطبية، بينما تتزايد أعداد الجرحى والمصابين دون علاج.
محاسبة الجناة
في ضوء هذه التطورات، تتزايد الدعوات الدولية لفتح ممرات آمنة وإيصال المساعدات دون تأخير، وسط مطالبات من منظمات حقوقية بتوثيق الجرائم والانتهاكات التي تُرتكبها مليشيا الدعم السريع ضد المدنيين العزّل في شمال دارفور.
ويقول مراقبون إن الجرائم التي وثقتها المنظمات الدولية والإعلام العالمي في الفاشر وطويلة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لمحاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.






