هناك فرق مني أبوزيد أين تقف اليوم ثورة ديسمبر..!

هناك فرق
مني أبوزيد
أين تقف اليوم ثورة ديسمبر..!

*”الثورات لا تموت بالرصاص، بل بالصمت الذي يعقب الحروب والمجازر”.. الكاتبة..!*

في البداية كانت الحكاية بسيطة ومشرقة. جيش متهم بالإسلاميين، وثورة تحلم بالمدنية. شعار يهتف به الشارع، وأمل يلمع في العيون. لكن ما تلى ذلك كان نسخة سودانية حديثة من ذات المأساة القديمة. حين يتورط الحالمون في صفقات الواقعيين، ويتحول الهتاف إلى بندقية، والميدان إلى مذبحة..!

ثم دخلت “تقدم” المسرح، حاملة لافتة “لا للحرب”، بينما كانت في الجهة الأخرى تبارك الدعم الخارجي للمليشيا، وتدعي أنها تحرس البلاد من اختطاف الإسلاميين…!

ومع كل جريمة جديدة، كانت الخيوط تتعرى. من الخرطوم إلى مدني، من الجزيرة إلى النيل الأبيض، ومن هناك إلى دارفور، إلى الفاشر التي سقطت وسقط معها ما تبقى من أقنعة..!

اليوم لا يحتاج المرء إلى نظارات سياسية ليرى المشهد. يكفيه أن يسمع أنين الأمهات في الفاشر، أن يتأمل وجوه الأطفال في معسكرات النزوح. فهؤلاء ليسوا “اطراف نزاع”، بل هم لحم الثورة الحيّ، ودمها الذي يُراق اليوم على مذابح الصمت..!

حين انقسمت “تقدم” إلى “تأسيس” و“صمود”، ظنّ الناس أن شيئاً سوف يتغير. لكن الحقيقة أن الخلاف لم يكن على المبدأ، بل على المقعد. “تأسيس” التحقت بالمليشيا علناً، و“صمود” بقيت تتوضأ بالحياد وهي تصمت عن جرائم القتل الجماعي. وحتى حين صُدمت بمجازر الفاشر، خرجت إدانتها كما خرجت معطم إدانات العالم ..!

الثوار الذين خرجوا يوماً يهتفون “كل البلد دارفور”، حين تخاطب اليوم غير المنتمين إلى كيانات سياسية منهم، وتسأل أين تقف ثورتكم اليوم من هذه الحرب؟
لن يجيبوا بعبارة “نُدين ما يحدث بين طرفي النزاع”.
لأنهم يعرفون أن الطرفين ليسا سواء. وأن من يقتل الأبرياء العُزَّل لا يمثل الثورة، وأن من يصمت عن كل ذلك لا يمثل الوطن..!

الإجابة الحقيقية تأتي من دماء الأبرياء في الشوارع والأسواق، ومن وجوه الأمهات في الملاجئ، ومن أنّات الجوعى في الأحياء المحاصرة. هناك فقط يمكن تتكلم الثورة بأصوت الصادقين، بعيدًا عن بيانات الأحزاب ومؤتمرات الحلفاء..!

حين نتأمل اليوم ما تبقّى من ديسمبر، لا نكاد نرى سوى سؤال واحد “من يمثل من، ومن يعادي من”؟.
وهل يمكن لثورة وُلدت من رحم الوجع أن تعود لتُنقذ نفسها من بعض أبنائها..؟

ربما لم تمت الثورة بعد، لكنها بالتأكيد صارت أيقونة تحرر عمياء، تتكئ على جدار الحرب، وتنتظر من يعيد إليها ذاكرة الميدان الأولى. حين كان الهتاف نقياً والنية صافية، والوطن بيتاً للجميع!.

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top