حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
رياح التغيير تعصف بهرم السلطة في جوبا ..
تطورات سياسية وأمنية متلاحقة تشهدها دولة جنوب السودان هذه الأيام، تطورات تنذر بمرحلة جديدة تخيم على منظومة الحكم في الدولة الوليدة، فقد أصدر الرئيس سلفا كير ميارديت سلسلة قرارات مفاجئة طالت عدداً من كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم، فقد أعفى كير نائبه الأول في الحزب، بنجامين بول ميل، من منصبيه في الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) ومن موقعه كنائب لرئيس الجمهورية، قبل أن يقرر خفض رتبته العسكرية إلى جندي ويفصله من جهاز الأمن الوطني، ولم تتوقف القرارات عند هذا الحد، إذ شملت كذلك إقالة محافظ البنك المركزي الدكتور أديس أبابا أوثو، وإعفاء سيمون أكويي من منصبه كمفوض عام لهيئة الإيرادات، وتعيين ويليام أنيون كول خلفاً له، وأعاد الرئيس سلفا كيره مستشاره الأمني توت قلوال إلى موقعه القديم في القصر الرئاسي، في خطوة تشير إلى إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام الحاكم استعداداً لمرحلة سياسية دقيقة تتسم بعدم اليقين.
وتأتي هذه القرارات بعد أن أنهى الرئيس سلفا كير زيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وصفها مقربون من القصر الرئاسي في جوبا بالفاشلة حيث لم يتمكن الرئيس كير من لقاء القيادة العليا في أبوظبي واكتفى فقط باجتماع بروتوكولي مع أنور قرقاش، وهو ما اعتبره مراقبون انتكاسة دبلوماسية لرئيس الجنوب الذي كان يسعى إلى كسب دعم مالي واستثماري إماراتي لإنعاش اقتصاد بلاده المنهك، المصادر المقربة من القصر الرئاسي في جوبا أكدت أن زيارة الإمارات التي عاد منها الرئيس سلفا كير بخفي حنين، جعلته يعيد النظر كرتين ويُعمل تفكيراً واقعياً بضرورة إعادة فتح قنوات التواصل شمالاً مع الخرطوم، في محاولة لتبريد الأجواء المشحونة بين البلدين بعد التوترات التي نجمت عن دعم جوبا الضمني لميليشيا الدعم السريع خلال الأشهر الماضية، فالرئيس الجنوبي وبعد فشل محاولاته الانفتاح في شرق أفريقيا، بات يدرك أن مصلحته السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تستقيم دون علاقات مستقرة مع السودان، الذي يملك مفاتيح تصدير النفط الجنوبي عبر موانئه.
وفي إشارة واضحة إلى رغبة سلفاكير في استعادة الثقة مع السودان، بدأت سلطات جنوب السودان وبشكل مفاجيء حملة موسعة لإخلاء المستشفيات في جوبا من جرحى ميليشيا الدعم السريع الذين كانوا يتلقون العلاج هناك منذ شهور، كما نفذت الأجهزة الأمنية عمليات تفتيش واسعة في مقرات إقامة عناصر ميليشيا آل دقلو داخل الفنادق والنزل بالعاصمة، وسط معلومات عن احتمال إبعادهم نهائياً من الأراضي الجنوبية خلال الفترة المقبلة، وستنسحب هذه الخطوات سلباً على الأعداد الكبيرة من مقاتلي الدعم السريع ومرتزقتهم كانوا يتلقون تدريبات في بعض مناطق الجنوب استعداداً لإرسالهم شمالاً إلى الجبهات لقتال الجيش السوداني،
وكانت الخرطوم قد امتعضت من تصرفات جوبا المريبة وتماهيها مع ميليشيا الدعم السريع، فاتخذت قرارها الصعب بإيقاف تصدير النفط الجنوبي عبر بورتسودان، في خطوة يُعتقد أنها شكّلت ضغطاً سياسياً واقتصادياً قوياً على جوبا، التي تسعى الآن إلى زيارة بورتسودان لإعادة التفاوض حول استئناف التصدير وضمان استمرار تدفق عائداتها النفطية.
إن التحول الجاري في جوبا لا يمكن فصله عن توازنات الإقليم وتداعيات الحرب في السودان، فالرئيس سلفا كير يدرك أن استمرار الارتهان لمحور ميليشيا الدعم السريع ومرتزقتها يعني خسارة دعم السودان الرسمي والمجتمع الدولي على السواء، لذلك جاءت قراراته الأخيرة كإشارة إلى تغيير في البوصلة السياسية نحو بناء علاقات أكثر توازناً مع الخرطوم، وقطعاً إذا استمر هذا التحول فإنه سيؤدي لا محالة إلى إضعاف ميليشيا الدعم السريع التي فقدت واحدة من أبرز قواعدها الخلفية في الجنوب، وهو ما سيغيّر ميدان المعركة في السودان ويُعيد حسابات الدعم الإقليمي للتمرد.
على كل.. فإن دولة جنوب السودان تعيش لحظة مفصلية بين ضغوط الداخل وإكراهات الخارج، وبين الحاجة إلى إعادة ترتيب بيتها السياسي ومصالحها الاقتصادية، وفي خضم هذه التحولات، يبدو أن الواقعية السياسية عادت إلى سلفا كير بعد سنوات من المناورة، فإذا ما نجحت جوبا في طي صفحة الغموض والانحياز، واستعادت توازنها الدبلوماسي مع الخرطوم، فإنها لن تسهم فقط في استقرار الإقليم، بل ستكون قد اتخذت خطوة جريئة في نزع الشرعية الإقليمية عن ميليشيا الدعم السريع، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة بناء جسور التعاون الاستراتيجي بين السودان وجنوب السودان على أسس جديدة من المصالح المشتركة والأمن المتبادل.






