حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو
قطاع المعادن، شمس الإنجازات التي لا تغيب..
لم يعد قطاع المعادن في السودان مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الدولة على الإنجاز وسط العاصفة، فالأرقام الصادرة من الشركة السودانية للموارد المعدنية تبشِّر بواقع متفائل نجحت من خلاله الشركة في تجاوز الربط المقدر لها في خطة العام 2025م، وهي خطوة تحسب لصالح السياسات التي وضعتها الشركة بالتعاون والتنسيق مع شركاء قطاع المعادن وفي مقدمتهم الشركات التي ظلت صامدة وتواصل إنتاجها رغم قساوة الحرب وتداعياته، وهي تستحق قطعاً التقدير والامتنان، وتحتاج في الوقت نفسه إلى رقابة مهنية ومتابعة تطويرية حتى تضاعف من إنتاجها وتعظّم من إيرادات الدولة في هذه المرحلة الحرجة.
ومن هنا، فإنه يحق للحكومة أن تفخر بما تحقق حتى الآن من إنجازات في قطاع المعادن في السودان، إنجازات تبعث على التفاؤل وتبسط يد الأمل في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع على خلفية الحرب التي أخرجت عدة ولايات منتجة عن الخدمة، فتجاوز الربط المقدر يؤكد على نجاح السياسات التي انتهجتها شركة الموارد المعدنية خلال الفترة الماضية في زيادة الإنتاج الذي جعل الذهب يتصدر قائمة صادرات السودان، وثمة كلمة نهمس بها في أذن القائمين على أمر قطاع المعادن في السودان، بأنه ينبغي ألا يحجب الاحتفاء بإنجاز تجاوز الربط المقدر للعام 2025م، حقيقة مهمة مفادها أن السودان ليس ذهباً فقط، بل هو بلد زاخر بعشرات المعادن التي تنتظر من يكتشفها ويستثمرها، إن فتح الأبواب واسعة أمام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لاستكشاف هذه الموارد سيكون ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد الوطني وتخفيف الاعتماد المفرط على المعدن النفيس.
ومع كل تطور ينتظم قطاع المعادن في السودان، تبقى العين مفتوحةً على التعدين التقليدي الذي يثير قلق الدولة بتمدّده في كل الاتجاهات دون ضابط ولا رقيب، حتى صار يتغوّل على مربعات الشركات ” التعدين المنظَّم” ويعرقل عملها، إذ تحوّل هذا النشاط الأهلي إلى ما يشبه “منطقة رمادية” بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، في ظل بعض الفراغ الذي فرضته فوضى الحرب، وهي مسؤولية تملي على ضمير شركة الموارد المعدنية أن تعزز من برامج التوعية والإرشاد التعديني وسط المعدنين التقليديين، لتصحيح المفاهيم، وحماية البيئة، وضمان أن تتحوّل الجهود الشعبية إلى رافد حقيقي للتنمية لا عبئاً على الدولة، ذلك أن بلورة رؤية الدولة بتحقيق صناعة تعدينية آمنة ومتطورة ومستدامة لن يتم إلا بوعي جماعي يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الفردية.
وأما المعركة الأشد تعقيداً، فهي معركة محاصرة التهريب والتهرب، فكل جرام من الذهب يخرج بطرق غير مشروعة يعني خسارة للوطن والمواطن معاً، فالمطلوب ليس فقط إحكام الرقابة عبر الاستمارات والأنظمة الذكية، بل أيضاً تفعيل بورصة الذهب السودانية التي طال انتظارها، إلى جانب البحث عن أسواق بديلة ومباشرة غير دبي، مثل قطر وروسيا وتركيا والصين، باعتبار أن وجود تنويع في قنوات التسويق سيمنح السودان قدرة تفاوضية أعلى، ويعيد إليه جزءاً من القيمة المضافة التي تضيع في سلاسل التهريب الطويلة.
على كلٍّ إذا نجح السودان في ضبط قطاع المعادن، ومراجعة شركاته، وتنظيم معدنيه الأهليين، وتطوير آليات التصدير، فإنه لن ينجو اقتصادياً فحسب، بل سيستعيد مكانته كـدولة معدنية تحتل موقعها المرموق في خارطة الإنتاج الأعلى أفريقياً وعربياً، فالتعدين ليس مجرد ذهب يلمع في الأسواق، بل هو معيار لفاعلية الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وسط الأزمات، وما بين الفوضى والانضباط، تقف اليوم فرصة نادرة إن أحسنت الحكومة السودانية استثمارها، فقد تستعيد ليس ذهبها فقط، بل ثقتها في مواردها وقدرتها على صناعة مستقبل آمن ومتطور.






