حدود المنطق إسماعيل جبريل تيسو البرهان.. مكاشفة الجيش وتحوّلات الإقليم..

حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو

البرهان.. مكاشفة الجيش وتحوّلات الإقليم..

استوقفني مثلما ما استوقف الكثيرين، الخطاب الضافِ، المتسم بالقوة والشجاعة والذي قال به رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمام قيادات رفيعة من الجيش في الهواء الطلق، فقد اختار البرهان لحظة سياسية فارقة ليخاطب هذه الكوكبة من قيادات الجيش برتبة اللواء فما فوق مقدماً لهم قراءة صريحة لتطورات الأوضاع في البلاد، ومفنّداً موجات الشائعات التي تتحدث عن نية الجيش الذهاب إلى تفاوض أو تقديم تنازلات، حديث البرهان جاء متزامناً مع التطور المذهل والمتسارع الذي أفرزه لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في واشنطن، حين أعترف ترامب بامتلاكه وللمرة الأولى صورة دقيقة لما يجري في السودان، وأنه ملتزم بمعالجة الأزمة، ليعيد هذا التداخل بين المكاشفة الداخلية، وتغيّر المعادلات الخارجية، رسم المشهد السوداني على نحو يستحق الوقوف عنده.

والواقع أن ما أقدم عليه القائد العام للقوات المسلحة، بتمليك معلومات دقيقة وحساسة لقيادات تحمل رتبة لواء فما فوق في الجيش السوداني، لم تكن فقط في الإطار البروتكولي بالإحاطة العسكرية، إنما هي رسالة سياسية ذات دلالات متعددة، فالقائد العام بدا وكأنه يضع رفاقه في قلب الصورة، وأنه لا يتحرك بمعزل عن مؤسسته، ولا يتخذ القرارات في ليل الدجى والظلام، البرهان أراد إغلاق الباب أمام حملة التشكيك في نية الجيش، من خلال تبرئة ذمته، وتثبيت شرعية موقفه، والقول إن القوات المسلحة لا تزال على العهد مع شهداء معركة الكرامة ومع المدنيين الذين ضحّوا من أجل بقاء الدولة السودانية، فالبرهان بدا بهذا المعنى وكأنه يجدد عقد الثقة داخل المؤسسة العسكرية أولاً، قبل أن يواجه به الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي.

ولعل اللافت في حديث القائد العام للقوات المسلحة أمام رفاقه من قادة الجيش، أنها المرة الأولى منذ اندلاع حرب الكرامة، أن يوجه البرهان بنفسه اتهاماً صريحاً ومباشراً للإمارات بدعم ميليشيا الدعم السريع مالياً ولوجستياً، وتغذية الحرب بصورة مستمرة، فتوقيت هذا الاتهام لافت، إذ اختار الرجل أن يطلق هذه الرسالة أمام قيادات الجيش وفي العلن، ما يدل على إدراكه بتغير موازين القوى في الإقليم، خاصة بعد دخول السعودية بثقلها في الملف، والالتزام الحاسم من الرئيس ترامب بمعالجة ملف الأزمة في السودان، وهي مواقف تطرح سؤالاً ملحاً مفاده: هل وجد البرهان في هذا التغيير الدولي سنداً كافياً للخروج من دائرة الحذر الدبلوماسي إلى المكاشفة؟ أم أن صمته السابق كان جزءاً من إدارة أوسع للصراع وضروراته؟ في كل الأحوال، تبدو صراحة الرئيس عبد الفتاح البرهان الحالية جزءاً من لحظة سياسية جديدة.

إن مستقبل الحرب في السودان قد يكون مقبلاً على منعطف جديد، ليس فقط بسبب وضوح الجيش وشفافية قيادته مع ضباطه، ولكن أيضاً بسبب التماسك الشعبي المتزايد خلف القوات المسلحة، والمناخ الدولي الذي بدأ يميل إلى قراءة أكثر دقة لطبيعة الصراع بعد انكشاف التضليل الذي مارسه المستشار الأمريكي (مسعد بولس) داخل القنوات الأميركية، ومع انحسار دور الآلية الرباعية لصالح دور سعودي – أميركي مشترك بدأ يُستشعر ثقله، فإن ميزان الزمن لم يعد كما كان، فالحرب التي طال أمدها تبدو الآن أقرب إلى مرحلة إعادة الترتيب لا الإطالة، خاصة مع وضوح الفاعلين الحقيقيين وإبعاد الأصوات المشوشة.

عموماً فإن اللحظة الراهنة بكل تداخلاتها، تُظهر أن السودان أمام مرحلة إعادة تتشكل في رحم المنطق، وأن المؤسسة العسكرية تحاول أن تعيد الإمساك بخيوط الداخل في وقت يعاد فيه ضبط بوصلة الخارج، وإذا صحت المؤشرات المتراكمة، فإن خطاب البرهان الأخير يتجاوز حدود إلقاء كلمة قوية ومؤثرة أمام رفاقه الضباط، إلى إعلان مباشر عن انتقال البلاد من مرحلة الالتباس إلى مرحلة الوضوح، ومن إدارة الأزمة بردود الأفعال، إلى هندسة مسار جديد تُصاغ ملامحه في الخرطوم والرياض وواشنطن معاً، فيما تعضُّ أبوظبي بنان الندم، وتقلِّب كفيها على أنفقت في هذه الحرب التي أرادت بها قتل السودانيين، وتغيير ديمغرافية البلد الذي كانت له أيادٍ سابغة على إمارات الشيخ زايد بن سلطان، حكيم العرب، قبل أن تتحول السلطة إلى “عقالات” خاوية لا تفهم غير لغة العنف والفساد والاضطهاد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top