حدود المنطق إسماعيل جبريل تيسو منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة.. المنصة الجامعة..

حدود المنطق
إسماعيل جبريل تيسو

منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة.. المنصة الجامعة..

تبدأ الحكاية من خضم الحقيقة البسيطة والمؤثرة: أن أعظم الكيانات تبدأ بفكرة، وأن أنجح المبادرات كثيراً ما تولد من رحم المعاناة، فمن هذا المنطلق خرجت فكرة منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة، فكرةٌ انطلقت من واقع قاسٍ مزّقت فيه الحرب نسيج المجتمع، ودفعت أبناء المنطقة إلى التشرذم، والشتات، فكان لابد من مساحة جديدة تخضرُّ بسنابل الحرية والاستقلال، مساحة لا تخضع لحسابات السياسة ولا ابتزاز المنصات الحزبية، وإنما كيان ينصهر فيه قادة المجتمع ونشطاؤه بمختلف انتماءاتهم وإثنياتهم ودياناتهم، وهكذا تحولت الفكرة إلى منصة جامعة، ربما هي الأولى من نوعها، أعادت امتلاك زمام المبادرة لمجتمع أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد القدرة على إعادة إنتاج ذاته.

ولما كان وراء كل فكرة عظيمة، امرأةٌ هميمة، فقد وقفت وراء فكرة منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة، الإعلامية والناشطة مريم البتول أوشي النيل، الشابة التي حملت همّ جبال النوبة أينما ذهبت، ونسجت تجربتها المهنية حول خدمة المتأثرين بالحروب والنزاعات، درست مريم البتول في مصر، وتدرّجت في العمل داخل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وكانت شاهدة على القصص الإنسانية الأشد قسوة في السودان، من لدن جبال النوبة، إلى النيل الأزرق، ودارفور، وعندما انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، انتقل معها ذات الهم، فحملته منخرطة في دعم الشرائح المستضعفة من مهاجرين ومرضى ونساء وعجزة ومسنين، هذه التجارب لم تكن مجرد مسار وظيفي لمريم البتول، وإنما هي متراكمات وجدانية صقلت رؤيتها، وجعلت سؤال المجتمع سؤالها الأول، ودفعها ذلك لإطلاق مبادرات اجتماعية وإنسانية جادة عبر المنتدى.

امتداد هذه التجارب الإنسانية انعكس مباشرة على طبيعة منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة وبرامجه، فقد استطاعت مريم البتول أن تجمع تحت مظلة واحدة قيادات سياسية مخضرمة من أبناء جبال النوبة، بعضهم يعمل في المجال العام منذ أن كانت هي في رحم الغيب، ولكنهم قبلوا الانضمام إلى المنتدى والالتزام بلوائحه تقديراً لفكرته وصدق أهدافه، لقد ضمّ المنتدى أيضاً ولاة ووزراء حاليين وسابقين، ورموز الإدارة الأهلية، ونخب من أساتذة الجامعات، والصحفيين والإعلاميين، والطلاب، والمرأة بتياراتها كافة، فاستطاع المنتدى خلال وقت جيز أن يشكل حضوراً فاعلاً في المشهد السياسي والاجتماعي في السودان عامة، جبال النوبة بوجه خاص، من خلال تفاعلاته الإيجابية مع مختلف القضايا الوطنية، فطبقت شهرة المنتدى الآفاق ليتمدد في مختلف بقاع العالم، مؤسِّساً مكاتبه في بلدان عديدة، مستهدفاً توحيد أبناء جبال النوبة في كل مكان، وحشدهم في مسار واحد يعيد بناء ما هدمته الحرب، ويحوّل طاقة الشتات إلى قوة إيجابية لخدمة الإقليم والسودان بأسره.

وتتجلى ثمرة العمل الناجح حين يتحول الكيان من منصة إلى فعل، فقد نجح منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة في تشكيل حضور فاعل داخل وخارج السودان من خلال عقد ورش عمل متخصصة في القاهرة وبورتسودان وكوستي، ونجح المنتدى خلال الحرب في تنفيذ برامج المطابخ المفتوحة والمتنقلة لمواجهة شبح المجاعة والمسغبة التي ضربت أجزاء واسعة من ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، حين اضطر الناس إلى الإطعام من لحاء الأشجار، والتغذي على بعض الثمار، ومضى المنتدى أبعد من ذلك ليطرق أبواب قضايا الطلاب ومشكلاتهم المتلاحقة، فقام المنتدى بسداد نفقات امتحانات مئات الطلاب والطالبات في كادقلي والدلنج، وساهم في علاج بعضٍ من قياداته وأعضائه ممن احتاجوا إلى إجراء جراحات دقيقة وعاجلة، جامعاً الدعم ومساهماً في إنقاذ حياتهم.
عموماً فقد ولد منتدى قيادات ونشطاء جبال النوبة بأسنانه فقد استطاع في فترة وجيزة أن ينجز مشروعات وبرامج كبيرة، لكن التحدي الحقيقي والأكبر الذي ينتظر المنتدى يتمثل اليوم في قدرته على تحويل أهدافه إلى واقع في ظل الاحتقان السياسي والاستقطاب الحاد الذي تعيشه البلاد، بعد أن نقل تحالف الحركة الشعبية وميليشيا الدعم السريع الحرب إلى جنوب كردفان، وهي موجة عنف جديدة تضاعف الحاجة إلى دور المنتدى، وتختبر صلابته وقدرته على البقاء فاعلاً في لحظة مفصلية من تاريخ ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top