خاطب تأبين شهداء حركة مناوي.. وقال إنّ الخيارات والحلول باتت محدودة..
البرهان .. ترسيم الخطوط الحمراء..
تقرير : محمد جمال قندول
البرهان: أي تفاوض لا يشمل تفكيك الميليشيا مرفوض..
أكد على القصاص من المجرمين والقتلة والحاقدين..
الرئيس رحب بنازحي الفاشر وكل المناطق التي دخلتها الميليشيا..
حديث البرهان توجه نهائي ينطلق من رؤية الشعب السوداني ومقاتلي الميدان..
الخطاب يعني: إنه لا تسوية يمكن قبولها ما لم تنتهِ الميليشيا..
كل ما أطلّ رئيس مجلس السيادة مخاطبًا الشعب عبر منابر مختلفة يُحدث حالة من الاهتمام لما يقول، فالرجل يجدد في كل ظهور بأن أي تفاوض لا يشمل تفكيك الميليشيا مرفوض، وهو ما يبعث الارتياح في الأوساط الشعبية.
أمس خاطب رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان تأبين شهداء حركة جيش تحرير السودان بمعركة الكرامة وذلك في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان بحضور حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.
القصاص
وقال رئيس مجلس السيادة إن الخيارات والحلول باتت محدودة، وذلك بسبب حجم الدماء والشهداء والمعاناة في مناطق واسعة من السودان، وخاصة في دارفور والفاشر، مؤكدًا بأن أي حل أو مبادرة لا يشمل تفكيك الميليشيا المتمردة الإرهابية وتجريدها من السلاح هو أمر مرفوض لدينا تماماً.
الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان دعا كل من يرغب في حمل السلاح لمحاربة الميليشيا للانخراط فى صفوف الدفاع عن الوطن.
وجدد رئيس مجلس السيادة تأكيداته بالقصاص من المجرمين والقتلة والحاقدين الذين ارتكبوا كل أنواع الجرائم التي لا يستحقون بعدها أن يعيشوا معنا في السودان.
وشدد رئيس مجلس السيادة على أهمية التعاون والتآزر للقضاء على الميليشيا، مرحبًا بالنازحين الذين وصلوا من الفاشر ومن كل المناطق التي دخلتها ميليشيا آل دقلو الإرهابية.
ويعلق الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. عبد الملك النعيم على طرح رئيس مجلس السيادة ويقول إنّ تأكيداته بعدم قبول أي هدنة، وإنّ تحرير السودان من المتمردين والمرتزقة يعتبر توجهًا نهائيًا ينطلق من رؤية الشعب السوداني والمقاتلين في الميدان الذي تنادوا جميعهم للدفاع عن الوطن ودعموا الجيش بكل ما يملكون.
ومن جانب آخر يقول النعيم إن القبول بأية هدنة في الظروف الحالية والتمرد يسيطر على كامل إقليم دارفور وبعض كردفان ستضخ دماءً جديدة في شرايين الميليشيا.
وأضاف د. عبد الملك بأن حديث الرئيس عن تجريد المتمردين من السلاح وخروجهم من المناطق التي احتلوها في تقديري لا يعطي القيادة السياسية والعسكرية حق التفاوض معهم أو الحديث عن دمج المؤهلين منهم في الجيش وذلك بسبب أرتال الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن، فضلاً عن أن انتصارات الجيش على أرض الميدان وتشتت قيادات التمرد وصراعهم مع بعضهم البعض لهي أقوى المحفزات للجيش بالمضي قدمًا في تحرير البلاد للوفاء لهؤلاء الشهداء وانتصارًا للسيادة الوطنية بعيدًا عن أي حديث، هذه الهدنة الملغومة التي من أهم أهدافها إضعاف الروح المعنوية للمقاتلين في الميدان.
حجم الدماء
ونادي رئيس مجلس السيادة بضرورة إعادة صياغة الدولة السودانية من الأول وبناء سودان على أسس صحيحة مقدمًا مقترحًا بإرجاع علم السودان القديم – علم الاستقلال (ذي الألوان الثلاثة الذي رفعه أجدادنا وآباؤنا في زمن الاستقلال).
البرهان قدم إشادة بأدوار حاكم إقليم دارفور مناوي، معربًا عن تقديره العميق لكل القوات المشتركة والمساندة للقوات المسلحة في معركة الكرامة والعزة.
ويقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي إنّ خطاب البرهان حمل رسائل سياسية مكثّفة، قصد من خلالها التأكيد على أنه لا تسوية ولا مبادرة يمكن قبولها ما لم تنتهِ الميليشيا تماماً، تفكيكاً وتجريداً من السلاح. هذا الطرح جاء عند تأبين شهداء حركة تحرير السودان، وحسب العركي أن المكان والزمان منحا الرسائل طابعاً عاطفياً وشعبياً أقرب إلى التعبوي من كونه رسمي.
وبحسب محدّثي فإنّ رئيس مجلس السيادة قدّم تفسيراً لصرامة موقفه باعتبار أن حجم الدماء والمعاناة – خصوصاً في دارفور والفاشر – قد أغلق الباب أمام أي مبادرة وحل، فالحرب في تقدير البرهان وصلت إلى نقطة اللاعودة، ولا خيار غير خيار زوال الميليشيا وملاحقة المتورطين في الجرائم.
وفي هذا السياق ركّز على القصاص، ليس بوصفه إجراءً قانونياً فقط، وإنما كرسالة سياسية رادعة تستهدف تثبيت شرعية الدولة في مواجهة مساعي كسب شرعية موازية.
ويواصل د. عمار في معرض الطرح ويقول إنّ الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أعاد التأكيد على فكرة التعبئة العامة، موجهاً نداءً وطنيًا صريحاً لكل قادر على حمل السلاح للانخراط في القتال ضد الميليشيا. أضاف: هذا الخطاب يحاول توسيع قاعدة الدعم الشعبي للجيش وإبراز المعركة باعتبارها معركة مجتمع لا معركة جيش فقط، وهو اتجاه ينسجم مع خطاب معركة الكرامة والعزة.
ولم يكن تقديره لأدوار مني أركو مناوي والقوات المشتركة مجرد مجاملة سياسية؛ فالمرحلة تتطلب تثبيت صورة “جبهة وطنية موحّدة”، مشيرًا إلى أن الإشادة بهذا الشكل تعكس رغبة القيادة في تعزيز التحالفات والشراكات الميدانية وسياسية قادرة على خلق جدار صلب من دعم وإسناد للجيش.
ويرى العركي بأن التحول اللافت في الخطاب تمثّل في طرح مقترح إعادة علم السودان القديم – علم الاستقلال. هذا الطرح يتجاوز كونه مطلباً رمزياً؛ فهو يعكس توجهاً لإعادة تعريف الهوية الوطنية في مقابل الدولة التي حاولت “التأسيس” (في إشارة غير مباشرة للمنظومة السابقة قبل الحرب)، لافتًا أن استدعاء علم الاستقلال هنا يوظّف رمزاً تاريخياً لتحشيد الشعور الوطني، واستعادة الدولة واستقلاليتها ومشروعيتها من مشروع الميليشيا ومن أي رموز مرتبطة بمرحلة ما قبل الحرب.
وتابع العركي: يرتبط ذلك بدعوته إلى “إعادة صياغة الدولة السودانية من الأول”، وهو تعبير يكشف أن رؤية البرهان تتجاوز إدارة الحرب إلى تصور شامل لمرحلة ما بعدها، يتضمن إعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة، بما يجعل خطاب اليوم ليس فقط خطاب معركة، بل أيضاً خطاباً تأسيسياً يرسم ملامح سودان ما بعد الحرب.
واختتم محدّثي إفادته بأن خطاب البرهان رسالة “خارجية حاسمة” مفادها أن أي مبادرات لا تستجيب لشروط الدولة لن تجد قبولاً. كما أنها رسالة “داخلية صارمة” مفادها أن المعركة مستمرة حتى نهايتها، وإعادة صياغة السردية الوطنية عبر استدعاء رموز الاستقلال وتأكيد وحدة الجبهة الشعبية والعسكرية، في مواجهة حرب وجودية غير مسبوقة.






