19 حالة وثّقتها شبكة أطباء السودان..
المليشيا فى الفاشر.. إغتصاب جماعي..
تقرير : هبة محمود
حرب “الجنجويد”على أجساد النساء.. جحيم مستمر
تقارير دولية تسلط الضوء على مآسي نساء الفاشر
شهادات لسيدات تعرّضن للإعتداء الجنسي
إنتقادات لصمت المجتمع الدولي ومطالب بمعاقبة المليشيا
وثّقت شبكة أطباء السودان بمعسكر العفاض بالدبة، تعرّض ” 19″ امرأة للإغتصاب أثناء نزوحهن من مدينة الفاشر إلى مدينة الدبة بالشمالية، من قبل عناصر مليشيا الدعم السريع.
وأكدت الشبكة في بيان لها أمس الأحد إن إثنتين من اللائي تعرضن للإغتصاب هن في حالة حمل وتتلقيان رعاية صحية خاصة تحت إشراف فرق طبية محلية.
ولا تعد جرائم الإغتصاب نهجاً جديداً ،فقد تصدّرت إنتهاكات “الجنجويد” منذ إندلاع الحرب في السودان، إلا أنها الحالات الجديدة تشكّل المزيد من الأدلة الدامغة وتدحض إدعاءات المليشيا بشأن جلب الديمقراطية والتحول المدني .
وكانت تقارير منظمات الأمم المتحدة وثّقت الآف الجرائم للمليشيا ضد النساء منذ بداية الحرب وحتى الآن.
وغداة سيطرتها على مدينة الفاشر نهاية أكتوبر الماضي قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنها تلقّت روايات مروِّعة عن عمليات إعدام بإجراءات موجزة وقتل جماعي، واغتصاب.
وأفادت المفوضية في إحدى تقاريرها نقلاً عن شركائها بتعرٍض ما لا يقل عن “25” إمرأة للاغتصاب الجماعي عندما دخلت مليشيا الدعم السريع مأوى للنازحين بالقرب من جامعة الفاشر تحت تهديد السلاح.
سلاح القهر
وخلال أسبوع واحد، سجّلت شبكة أطباء السودان وقوع “32” حالة اغتصاب لفتيات من الفاشر، جرى بعضها عقب اجتياح المليشيا للمدينة، فيما تعرضت أخريات للاعتداء أثناء محاولتهن الفرار إلى منطقة طويلة.
وأدانت الشبكة أمس عمليات الإغتصاب الجماعي التي تمارسها مليشيا الدعم السريع على النساء الفارات من جحيم الفاشر، مؤكدة أن ما يحدث يعد استهدافاً مباشراً للنساء، وتحدّي واضح لكل القوانين الدولية التي تجرم استخدام أجساد النساء كسلاح لقهرهن.
وبحسب تقرير نشرته “إندبندنت عربية” فإن عدد الاغتصابات الموثّقة منذ دخول المليشيا الفاشر بلغت حوالي “170” حالة داخل الفاشر وعلى طريق النزوح إلى محلية طويلة.
وأفاد بحسب التقرير آدم رجال المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين بأن أكثر من “150” إمرأة تعرّضن للاغتصاب أو التحرش خلال رحلة الهروب من الفاشر إلى طويلة.
و إزاء كل تلك الأرقام الموثقة فضلاً عن شهادات حيّة لسيدات تعرّضن للإغتصاب، طالب حقوقيون وناشطون بضرورة تحرك المجتمع الدولي وفرص المزيد من العقوبات على المليشيا.
تطور خطير
ورأت شبكة أطباء السودان في بيانها أمس إن إستمرار مثل هذه الجرائم يعكس تطوراً خطيراً في التعدي على الفئات الأكثر ضعفاً، مؤكدة أن صمت المجتمع الدولي على هذه الممارسات البشعة يشجع على تكرارها واستفحالها.
وطالبت الشبكة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والآليات الحقوقية المختصة بـتوفير حماية فاعلة للنساء والأطفال في مسارات النزوح والعبور، وإرسال فرق تحقيق مستقلة لتقصّي الحقائق، وضمان وصول آمن للمساعدات الإنسانية والطواقم الطبية.
كما دعت إلى ممارسة ضغوط جادة على قادة مليشيا الدعم السريع لوقف هذه الاعتداءات فوراً، واحترام القانون الدولي الإنساني، وتأمين ممرات آمنة للنساء والأطفال.
حرب ضد المجتمع
وبدورها تقول الباحثة والمختصة في علم الإجتماع، د.نجلاء عبد المحمود، أن ما تقوم به مليشيا الدعم السريع من اغتصابات ضد النساء في مناطق سيطرتها هو عبارة عن حرب كاملة على كينونة الإنسان ونسيج المجتمع.
مؤكدة أن هذه الجرائم ليست “تجاوزات عابرة” كما يُدّعى ، بل هي استراتيجية قتال ممنهجة، تُحوّل جسد المرأة إلى ساحة معركة وغابة نفسية ومقبرة للكرامة.
وتضيف نجلاء في حديثها لـ”الكرامة” أن مخيم العفاض بالدبة، حيث يتجمع النازحون هرباً من رعب الفاشر، لا تحكي فيه وجوه النساء مجرد قصص الفقد والهروب، بل تحمل في صمتِها ندوباً أعمق.
وأكدت أن ما تعانيه الناجيات من الصدمة في نفوسهن أشبه بكونه إعصار لا يرحم، وتتبعه رحلة في متاهة الاضطرابات النفسية التي سرعان ما تُحول الذاكرة إلى سجن، حيث تعيد الناجية الكابوس في “فلاش باك” مفاجئ.
وتابعت نجلاء، بقولها أن الأقسى من الذاكرة قد يكون صوت الذات الداخلي الذي يتحول إلى جلاد: “لو لم أخرج”، “لو صرَخت بصوت أعلى” وهذا الحوار القاسي يغذّيه مجتمعٌ غالباً ما يرمي عبء “الشرف” على كاهل الضحية، لا الجلاد.
وتضيف في هذا المزيج السام من العار الاجتماعي والذاتي، قد تولد أفكار انتحارية، أو يبدأ رحلة من إيذاء الذات، أو ينتقل الألم إلى الجسد في صورة أمراض لا تفسير طبٌي واضح لها.
آثار مدمرة
وتذهب نجلاء الى أن الدمار الناتج عن الاغتصاب لا يقف عند حدود الحالة الفردية، مؤكدة أنه عندما تُغتَصب امرأة في مجتمع كالسودان، تُضرب بذلك ركيزة أساسية من ركائز المجتمع نفسه،فالعائلة التي يُفترض أن تكون ملاذاً، قد تتحول إلى محكمة تغلق أبوابها خشية “الفضيحة” وقد تُجبر الناجية على زواج مبكر أو غير مرغوب كحل سريع، أو تواجه الوصم والنبذ، وفي أبشع السيناريوهات، قد تدفع حياتها ثمناً لجريمة “الشرف” التي وصفتها بالمزعومة.
واكدت د. نجلاء إن تأثير هذه الجريمة يُفكك المجتمع من داخله، وتتحول شبكات الأمان إلى أقفاص، وتتّسع الدائرة لتطال مستقبل المجتمع كله لافتة إلى أنه في حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب، تواجه الأم طفلاً هو ثمرة الكراهية في أحشائها، وطفلاً سيكبر بلا أب في مجتمع قد يرفضه.
وتابعت هذه ليست إصابات عابرة، بل هي تغيير ديموغرافي بطيء، وأداة لخلق واقع سكاني جديد قائم على الصدمة والتفكك.
وتقول نجلاء :يجب أن تتحول الإدانات الدولية العامة إلى ضغوط ينتج عنها تجميد أصول القادة،وحظر سفرهم، وربط أي مساعدات بضمانات حماية ملموسة. على الأرض، حتى الإسعافات النفسية الأولية عبر مساحات آمنة تديرها نساء لنساء، أو جلسات الاستماع الجماعية التي تكسر جدار العزلة، يمكن أن تشكل فرقاً بين اليأس والأمل.
واكدت نجلاء أن النساء السودانيات الناجيات لم يفقدن الشرف؛ بل كن أهدافاً لجريمة حرب مدانة دولياً وان شرفهن الحقيقي يكمُن في صمودهن لافتة إلى أن المجتمع الدولي الذي يلتزم الصمت ليس محايداً، بل شريكاً في الإفلات من العقاب.






