هناك فرق مني أبوزيد دورة الحشمة ..!

هناك فرق
مني أبوزيد
دورة الحشمة ..!

*” قد يكون المرء وحده أحمقاً في بعض الأحيان، ولكن لا يمكن أن تغلب الحماقة موقف الجماعة” .. مارك توين ..!*

 
الطبيعة التي لا تقبل الفراغ سمحت لمجتمع السودانيين الذين لجأوا إلى مصر بعد اندلاع هذه الحرب بأن يتمدد وأن يتنامى حتى صارت له ظواهره الخاصة ومشكلاته الجديرة بالوقوف..!

من سلوك المراهقين وملبسهم وسمتهم العام في شارع الله والرسول، إلى اكتظاظ المقاهي بالرجال العاطلين آناء النيل وأطراف النهار..!

إلى ذلك الفايروس الذي ضرب إعدادات الحشمة في ملابس النساء اللاتي استبدلن الثوب السوداني والعباءة التقليدية بالملابس الضيقة التي لا تناسب طبيعة أجساد السودانيات، إلى الفتيات اللاتي بالغن في لبس البناطيل الضيقة والفساتين والبلوزات شبه العارية..!

والسؤال المنطقي في مثل هذا المقام قد يكون كالآتي، هل السبب الرئيس هو تداعيات اندلاع حرب إبريل التي لم تبق ولم تذر أم أنها مآلات طوفان ثورة ديسمبر الذي ظل يجب ما قبله ..؟

دعنا نتفق على أن الاحتشام من عدمه كمفهوم حمَّال أوجُه. عندما حل الإمام الصادق المهدي رحمه الله ضيفاً على حلقة تلفزيونية وسئل عن الحجاب والاحتشام قال إن الثوب السوداني بطريقته الساترة للجسد يكفي..!

وعليه قد تكون المقارنة بين حال مذيعات ومقدمات برامج التلفزيون أيام حكومة الإنقاذ وأيام أول حكومة بعد ثورة. ديسمبر تقتضي مقارنة أخرى بين حالهن في عهد الإنقاذ وحالهن قبل مجيئها..!

قبل حكم الإنقاذ اعتاد الناس على رؤية مذيعات نشرات الأخبار ومقدمات البرامج التلفزيونية دون حجاب، مع التزامهن الكامل بمعايير الزي المتعارف عليه والمقبول عند عامة المجتمع قبل خاصته..!

ثم جاءت قوانين الإنقاذ وفرماناتها الإدارية التي خيرتهن بين الاتزام بالحجاب أو الخروج من حوش المهنة، أما الذي حدث بعد ثورة ديسمبر فهو زوال المنع وإلغاء التقييد، دون فرض شروط بعينها بشأن تفاصيل الزي المناسب..!

وكثيراً ما كان يثور الجدل بعد الثورة بشأن “لبس البنات في الشارع”، والطريف أن موقف كل طرف من ذلك الجدل كان ينطلق – في الغالب – من موقفه تجاه الثورة نفسها..!

فالمؤمنون بفضائل الثورة والمباركون لتدابير حكومتها الانتقالية يباركون أي مظهر من مظاهر الحرية وإن كان منافياً لعادات وتقاليد المجتمع، والساخطون على مآلات الثورة – المعترضون على تعديلات بعض القوانين الخاصة بالمرأة – يستدلون على بؤس الحال والمآل بمظاهر عدم الاحتشام في “لبس البنات” وسلوكهن العام ..!

والحقيقة أنه لا الثورة فعلت ولا هذه الحرب فعلت، أو تستطيع أن تفعل شيئاً يجبر امرأةً أو رجلاً على نبذ الاحتشام في الملبس والسلوك، لأن هذه – ببساطة – مسألة شخصية تخضع لتقييم كل شخص لمفهوم الاحتشام من عدمه..!

ولأن ما يجري عليه العرف وما تفرضه تقاليد وعادات المجتمعات هو الشكل الفني الذي يمكن الاحتكام إليه في شأن الملبس والمسلك..!

لماذا يحتشم الناس ولماذا يحتقرون غير المحتشم؟، لأن الحشمة هي نمط من الملابس والسلوكيات العامة التي تهدف إلى تجنب تحفيز الإنجذاب الحسي في نفوس الآخرين، الذين ينتمون في الغالب الأعم إلى الجانب المعاكس في منظومة الجندر..!

وهنا قد يقول قائل وهل ما نراه من سلوكيات مابعد الحرب هو من أعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا؟. بطبيعة الحال الإجابة هي لا. لكن الإجابة على ذات السؤال بالنفي لا تعني أن ما يحدث من تجاوزات أمر غير طبيعي..!

ليس كل أمر طبيعي صحيح بالضرورة، لكنه على كل حال حراك طبيعي، “ردة فعل مساوية في قوة الهزة المجتمعية ومعاكسة لها في الاتجاه اللازم..!

بعد مرور ما يلزم من الوقت سوف يتواضع الناس في سودان ما بعد الحرب على الشكل الفني المناسب لمفهوم الاحتشام في الملبس والسلوك، دونما إفراط أو تفريط، ولسوف تطرد العملات الجيدة العملات الرديئة..!

ولكن إلى حيث حدوث ذلك لا بد من بعض الدراما، لا بد من بعض الفوضى الخلاقة. فقط دعوا علم الفيزياء يعمل – من بداية ثورة ديسمبر إلى نهاية حرب إبريل – على تطبيق بعض معادلاته الكونية ..!

munaabuzaid2@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top