أثارت صورته المشتركة مع الشهيد معاوية تفاعلات واسعة،،
اللواء عبد الماجــد،، الشجر يموت واقفاً..
آثر البقاء في الفرقة 22 مشاة بابنوسة لتكون خندقه ومقبرته..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
عاش عفيف اليد واللسان، صارماً مهنياً، متواضعاً ومحبوباً وسط جنوده..
خسر السودان قائداً ميدانياً شجاعاً، وربح رمزاً يخلِّد قيمة الوطن..
أثارت الصورة المشتركة التي نشرتها “صحيفة الكرامة” للواء ركن الشهيد معاوية حمد عبد الله، بجوار رفيق خندقه، وقائد ثاني الفرقة 22 مشاة بابنوسة اللواء ركن الشهيد عبد الماجد أحمد الحاج داخل أسوار قيادة الفرقة، تفاعلات واسعة ومؤثرة وسط زملاء ودفعة وأصدقاء الشهيد عبد الماجد، وأعادت إلى الواجهة سيرة قائد ميداني ظل يعمل بصمت، ويقاتل بثبات، بعيداً عن الأضواء وقريباً من خطوط النار، حتى نال مراده وظفر بنيل شرف الشهادة، وقد كشفت تلك التفاعلات، التي أعقبت نشر الصورة، عن مآثر ومناقب رجل اختار الخندق على المنصب، والمواجهة على الانسحاب، ليصبح واحداً من رموز الصمود في حرب الكرامة الوجودية، وهو ما حتّم على الكرامة التوقف عند سيرة اللواء ركن الشهيد عبد الماجد أحمد الحاج، قائد الجويّة (الدفاع الجوي) 289 أبو جابرة، الذي استشهد داخل الفرقة 22 مشاة بابنوسة، بعد أن انتقل إليها بقواته قادماً من الفرقة 20 مشاة الضعين عقب الانسحاب منها في بواكير الحرب، رافضاً المغادرة، ومصراً على القتال حتى آخر لحظة، رفقة اللواء ركن الشهيد معاوية حمد عبد الله، والعميد حسن درمود.
سيرة ومسيرة:
ويعدُّ اللواء ركن شهيد عبد الماجد أحمد الحاج، قائد الجويّة 289 أبو جابرة، واحداً من أبرز أبطال حرب الكرامة، ينحدر من منطقة الكسنجر بالشمالية، فيما تشكلت ملامح نشأته الاجتماعية والإنسانية في مدينة بورتسودان – حي سلالاب، حيث نشأ الشهيد في بيت متدين، فوالده كان مؤذناً بمسجد الشيخ الماحي بالكاسنجر قبلي، وهو ما انعكس بوضوح على شخصيته، إذ عُرف بالتدين والاستقامة والانضباط، إلى جانب الشجاعة والإقدام والبساطة في العيش، عقب انسحاب الجيش من الفرقة 20 مشاة الضعين، انتقل الشهيد عبد الماجد بقواته إلى الفرقة 22 مشاة بابنوسة، ولم يتعامل مع وجوده هناك كمحطة مؤقتة، بل كخندق أخير، حيث ظل مرابطاً فيها حتى لحظة استشهاده، إلى جانب رفيقه الشهيد اللواء معاوية حمد عبد الله، مسجلاً سِفراً من العظمة والثبات، ومقدماً نموذجاً نادراً للقائد الذي يقاتل مع جنوده لا من خلفهم.
شاهدٌ من دفعته:
يستعيد زميل الشهيد اللواء ركن عبد الماجد أحمد الحاج، ودفعتُه أحمد المصطفى، ملامح الشهيد قائلاً: ” والله أخونا عبد الماجد… زميل دراسة قبل الكلية الحربية… معروف وسطنا نحن أبناء بورتسودان بالصبر والجلد… شديد في الحق ولا يخشى في ذلك لومة لائم”..
ويضيف المصطفى في إفادته للكرامة: لقد كان اللواء عبد الماجد عفيف اليد واللسان… عسكريته ناشفة، لكن رغم ذلك كان محبوباً جداً وسط العساكر، لتواضعه والتصاقه بهم رغم الرتبة..
وعن أيامه الأخيرة في بابنوسة، يقول دفعته أحمد المصطفى: كان الشهيد اللواء ركن عبد الماجد يمر يومياً على الدفاعات، يحمّل العساكر معنويات ويتأكد من جاهزيتهم، وحتى آخر لحظة كان ماسك مواجهة، يضرب مدفع الدوشكا من أعلى الكروزر..
وعلى المستوى الإنساني والأسري، يختتم شهادته بقوله: أسرة الشهيد عبد الماجد الكبيرة والصغيرة ما زالت تعيش في أبسط حال، لعفة يده ونزاهته التي هي حديث الكل، لقد مضى خفيفاً من قيود الدنيا، إلا من والدين راضيين عنه، وأولاد صالحين يدعون له، رغم ارتباطهم الشديد به وغيابه عنهم بحكم الواجب.
فارس مقدام:
ويسرد المهندس ابن عمر أحمد صابون، المدير السابق لإدارة السلام وإعادة التوطين بولاية غرب كردفان، مواقف جمعته باللواء ركن الشهيد عبد الماجد أحمد الحاج، ويصفه بالفارس المقدام، وأحد أعمدة الدفاع الجوي، وقال في إفادته للكرامة إن علاقته بالشهيد تعود إلى سنوات مبكرة، حين كان برتبة ملازم وملازم أول خلال فترة الجهاد في منطقة لقاوة، وزاد: ” لقد كان عبد الماجد رجلاً قوياً، فارساً ومقداماً، يمتلك عسكرية كاربة، ولا يتردد في تحمّل المسؤولية في أصعب الظروف، وقال ابن عمر صابون، إنه، وبناءً على طلب المجاهدين في لقاوة، تم تكليف الملازم أول عبد الماجد أحمد الحاج بإسناد ملف إدارة السلام في لقاوة وأبيي، ليكون أول من تولى هذا الملف، وأول ضابط من كتيبة الدفاع الجوي التي كانت تمسك بزمام الأمور في منطقة لقاوة آنذاك، وقال صابون إن الشهيد قاد لاحقاً لواء الدفاع الجوي في منطقة أبو جابرة، ثم انضم إلى الفرقة 22 مشاة بابنوسة، حيث تدرج في الرتب حتى نال رتبة اللواء ركن، مؤكداً أن اللواء عبد الماجد لا يقل بطولة ولا تضحية عن أخيه الشهيد اللواء معاوية حمد عبد الله، فقد وقفا معاً في خندق واحد دفاعاً عن الوطن، وختم إفادته بالتأكيد على أن السودان فقد باستشهاده أحد رجاله الأوفياء.
شهادات جنوده:
ويصف جنود اللواء ركن الشهيد عبد الماجد أحمد الحاج قائدهم بأنه نموذج نادر في القيادة، يتمتع برؤية واضحة وكفاءة عالية، ويجمع بين الصرامة والعدالة، والانضباط والإنصاف، ويؤكدون أن بصماته كانت واضحة في تعزيز الانضباط والاستقرار في مناطق عمله، وأنه كان يحظى باحترام واسع وسط زملائه ومرؤوسيه، بوصفه قائداً يقود بالفعل قبل القول، ويشارك جنوده الخطر قبل التوجيه.
خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. يأتي استشهاد اللواء ركن عبد الماجد أحمد الحاج ضمن سياق أوسع لحرب الكرامة الوجودية، التي قدّم فيها السودان ثمناً باهظاً، ليس من الجنود فحسب، بل من قادة الصف الأول، حيث ارتقى عدد غير قليل من رتبة اللواء، لاسيما من دفعات 39 و40 و41، ونالوا شرف الشهادة في ميادين القتال، لقد كشفت هذه الحرب عن حقيقة جوهرية: أن المعركة لم تكن على الأرض وحدها، بل على معنى الدولة نفسها، وقد اختار عبد الماجد ورفاقه أن يكونوا في الخندق الأخير، حيث تُختبر معادن الرجال، وتسقط كل المسافات بين الرتبة والدم، وبرحيلهم، يخسر السودان قادة، لكنه يربح رموزاً خالدة، ستبقى شاهدة على أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه المحن، لا يزال ينجب من يدافع عنه حتى الشهادة، ألا رحم الله اللواء ركن الشهيد عبد الماجد أحمد الحاج، وجعل مقامه مع الصديقين والشهداء، وحفظ السودان بأمثاله أحياءً وشهداء.






