هناك فرق مني أبوزيد التوثيق بوصفه وسيلة للنجاة..!

هناك فرق
مني أبوزيد
التوثيق بوصفه وسيلة للنجاة..!

*”السؤال المهم حقاً في هذه الحرب ليس من أطلق الرصاصة، بل من كتب القصة بعدها، ومن سُمح له أن ينجو بسرديته”.. الكاتبة..!*

في مقابل توثيق الجناة لجرائمهم بوصفه فعل قوة واستعراض، نشأ في السودان شكل آخر من التوثيق، أوجب تواتراً وأشد إلحاحاً “توثيق المدنيين لما يتعرضون له، وهم في قلب الخطر، وليس على هامشه”. وكاميرات الهواتف هنا لا تُرفع للتباهي، بل للنجاة، ليس لتكريس الرعب، بل لمحاولة كسره، لترك أثر قبل أن يُمحى المكان، أو يُقتل الشاهد، أو تُغلق الذاكرة قسراً”..!

وثق السودانيون، أفراداً وجماعات، ما جرى لهم “القتل داخل الأحياء، الخراب الذي لحق بالبيوت والأسواق والمستشفيات، حالات الاغتصاب والانتهاكات الجنسية، التشريد القسري، النهب المنظم، وحصار المدن وبث الترويع في تفاصيل الحياة اليومية”، والكثير من هذه المقاطع صُوِّر على عجل، بصوت مرتجف، أو من خلف الأبواب، أو أثناء الهروب. لا تعليق، لا خطاب، فقط واقع عارٍ يصرخ دون لغة، وهذا ما يمنحه قوته “أنه لا يدَّعي، ولا يفسِّر، بل يَشهد فقط”..!

لم يكن التوثيق فعلاً سياسياً بالمعنى التقليدي عند المدنيين في السودان، بل فعل بقاء، ومحاولة لإثبات أنهم كانوا هنا، وأن ما جرى لم يكن “اشتباكات”، ولا “فوضى”، بل اعتداءً مباشراً على حياة الناس ومصادر عيشهم وكرامتهم. وفي حالات كثيرة، جاء التوثيق رداً على الإنكار، حين قيل إن القرى لم تُحرق، ظهرت الصور، وحين شُكِّك في الاغتصاب، خرجت الشهادات، وحين اختُزل التشريد في أرقام، ظهرت الوجوه.لكن هذا النوع من التوثيق لم يكن بلا ثمن، فكثير من المدنيين خاطروا بحياتهم وهم يصورون، وبعضهم قُتل، أو اختفى، أو تعرض للتهديد، لأن الكاميرا في يد الضحية أخطر على الجناة من أي سلاح..!

توجد الكثير من الصور والمقاطع المصورة التي تمثل التوثيق الفردي المباشر من خلال توثيق اللحظة “مقاطع فيديو صوّرها مدنيون أثناء اقتحام أحيائهم في الخرطوم، بحري، وأم درمان، تسجيلات صوتية لطلقات النار والقصف من داخل المنازل، تصوير جثث القتلى في الشوارع قبل أن تُدفن أو تُزال، صور البيوت المنهوبة أو المحترقة فور انسحاب القوات”، وهو توثيق غير مؤدلج، بلا لغة سياسية، لكنه شديد الصدق، وقيمته الأساسية أنه يسبق الرواية الرسمية، ويكسر محاولات الإنكار المبكر. وهنالك أيضاً شهادات الناجين والضحايا، “التوثيق السردي الذي ينتقل من الصورة إلى الذاكرة المنطوقة”، شهادات نساء تعرضن للاغتصاب أو التهديد الجنسي، روايات أسر فقدت أبناءها أو دُمرت منازلها، شهادات نازحين عن مسارات الهروب والحصار والجوع”. وهذا النوع من التوثيق أساسي في إثبات الجرائم المركبة التي لا تُلتقط بالكاميرا، خاصة العنف الجنسي والتشريد القسري..!  

وعلى الرغم من ضعف الإمكانيات نشأت محاولات شبه منظمة لمبادرات بشأن التوثيق المدني المنظم، “هنالك جموعات سودانية مستقلة تجمع البلاغات والصور والشهادات، وهنالك مبادرات شبابية لتوثيق القتل والانتهاكات حسب المناطق، وتوجد قواعد بيانات أولية لحالات الاختفاء والقتل”. الأمر الذي يمثل انتقالاً من الفعل الفردي إلى ذاكرة جمعية واعية، حتى وإن كانت غير مكتملة أو غير محمية..!

الصحفيون السودانيون أنتجوا تقارير مصورة من داخل الأحياء المحاصَرة، وأجروا تحقيقات ميدانية حول النهب والاغتصاب، وانتهجوا تتبعاً زمنياً للأحداث اعتماداً على شهادات متعددة. وهذا النوع من التوثيق يجمع بين الشهادة الإنسانية والمنهج الصحفي، وبالتالي يكون له وزن أكبر في المحافل الدولية. أما توثيق الشتات السوداني فهو وإن كان من خارج الجغرافيا، لكنه يظل متصلاً بالحدث، من خلال “جمع شهادات اللاجئين في مصر وتشاد وإثيوبيا، أرشفة مقاطع وصور قبل حذفها أو ضياعها، إعادة نشر المحتوى الموثق مع تحقق زمني مكاني”، وهكذا يتحول الشتات إلى حارس ذاكرة مؤقت، يحفظ بعض ما لا يستطيع الداخل الاحتفاظ به. أما توثيق المنظمات الحقوقية والإعلام الدولي فله صور أبطأ، لكنها أكثر تحصيناً، مثل التقارير الحقوقية عن جرائم هذه الحرب والانتهاكات واسعة، استخدام صور الأقمار الصناعية لإثبات حرق القرى، وتقاطع شهادات متعددة لتأكيد نمط الجرائم، وهذا النوع من التوثيق هو الجسر المطلوب بين الذاكرة المحلية والمساءلة الدولية..!

في الحرب السودانية لا تُرتكب الجرائم في الظل، ولا يظل العنف في الخفاء، بل يُوثق، ويُبث، ويُعاد تدويره، أحياناً كاستعراض قوة، وأحياناً كنداء استغاثة أخير. وبين كاميرا الجاني التي تُفاخر، وكاميرا الضحية التي ترتجف، تتشكل ذاكرة هذه الحرب، بكل هشاشتها وخطورتها. فالتوثيق هنا ليس ترفاً أخلاقياً، وليس ترفاً صحفياً، بل معركة مصيرية على المعنى، وعلى الرواية المنتصرة حين تخفت أصوات الرصاص..!

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب، ليس فقط الإفلات من العقاب، بل أن يُكتب تاريخها على نحو معكوس، تُمحى فيه الضحية، أو تُدان، ويُعاد إنتاج الجريمة بوصفها ضرورة، أو فوضى، أو قدراً عابراً. لذا فإن التوثيق المستقل، المتعدد، والمتنازع، يظل خط الدفاع الأخير ضد النسيان، وضد تحويل الألم إلى هامش. وفي نهاية المطاف، الحروب لا تُحاكم فقط في المحاكم، بل في أضابير التاريخ. ومن يملك قوة السرد اليوم لا يملك الماضي وحده، بل يكتب ملامح المستقبل أيضاً!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top