حكومة السودان بحثتها مع صندوق النقد الدولي مبادرة “هيبك” ..خارطة طريق لإعفاء الديون

حكومة السودان بحثتها مع صندوق النقد الدولي

  1. مبادرة “هيبك” ..خارطة طريق لإعفاء الديون

فتح أبواب التمويل لإعادة الإعمار..خطوة منتظرة

مراقبون : إعفاء الديون يحمي العملة الوطنية من الانهيار

خبراء : التخلّص من الدين يكبح التضخم ويثبت سعر الصرف

تقرير:لينا هاشم
يخوض السودان مفاوضات حاسمة مع صندوق النقد والبنك الدوليين لإكمال خارطة طريق إعفاء ديونه الخارجية البالغة ضمن مبادرة “هيبك” (HIPC)، في خطوة يراها خبراء اقتصاد طوق نجاة استراتيجي يمهد لإعادة إدماج البلاد في النظام المالي العالمي ، ومن شأن هذه الخطوة أن تفتح الباب أمام انسياب التمويلات الدولية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتوقف استنزاف النقد الأجنبي، ما ينعكس فوراً على استقرار سعر الصرف، كبح جماح التضخم، وتحسين التصنيف الائتماني للبلاد .
تفاصيل
وأكد الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي أن إجمالي الديون الخارجية للسودان يتجاوز حالياً حاجز الـ 66 مليار دولار أمريكي ، موضحاً أن أصل الدين المالي لا يتجاوز 17 مليار دولار ، بينما تشكل الفوائد والغرامات المتراكمة الكتلة الأكبر بقيمة تصل إلى نحو 49 مليار دولار ، مشيراً إلى أن مسار معالجة هذه الديون وإعفائها شهد تعقيدات بالغة جراء النزاعات المسلحة والأزمات السياسية المتعاقبة.
وأوضح فتحي في إفادته ل”الكرامة” أن تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في ديسمبر 2017 كان قد أقر بأهلية السودان للاستفادة من مبادرة “الدول الفقيرة المثقلة بالديون” ( HIPC )—وهي المبادرة الإقليمية التي أطلقها الصندوق بالتعاون مع البنك الدولي عام 1996 لتمكين الدول الأشد فقراً من تخفيف أعبائها المالية
اصلاحات اقتصادية
وأضاف هيثم إن السودان نفذ التزاماته المتعلقة ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أهّلته للانضمام للمبادرة، مشدداً على أنه ينبغي على مؤسسات التمويل الدولية عدم التعامل مع الخرطوم بذات النهج الحذر والمسيس الذي تتبعه الدول الدائنة، لكون هذه المؤسسات كيانات اقتصادية وتنموية في المقام الأول ولا ينبغي أن تُدار بمنطق سياسي
التمويل
وأشار الخبير الاقتصادي د.هيثم فتحي إلى أن الوصول إلى نقطة اتخاذ القرار (Decision Point) يمثل الانطلاقة الحقيقية لتخفيف عبء الديون، حيث يعكس موافقة مبدئية على تقديم مساعدات مالية جزئية، ويفتح الباب أمام استعادة السودان لأهليته في الحصول على التمويل الدولي لمشاريع التنمية والانخراط المباشر مع مؤسسات التمويل بيد أنه نبه في الوقت ذاته إلى أن عمليات الإعفاء والشطب النهائي للديون تتطلب حزمة خطوات إجرائية معقدة تستغرق وقتاً طويلاً حتى بعد تجاوز نقطة القرار.
التحديات
وفي تحليله للمستقبل الاقتصادي، أكد د. هيثم فتحي أن التنبوء بالاتجاهات الاقتصادية للسودان يظل مرهوناً بالقدرة على التغلّب على مزيج معقد من التحديات الاقتصادية والسياسية ولفت إلى أن تدخل المؤسسات المالية الدولية—وفي مقدمتها صندوق النقد—يتسم بتشابك العوامل الاقتصادية مع الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية ، حيث أثبتت الدراسات والوقائع أن منح التسهيلات والقروض يخضع لمحددات تتأثر بمدى القرب من المحاور الغربية والمواقف من الملفات الإقليمية الحساسة مثل الهجرة والإرهاب وإمدادات الطاقة، مؤكداً أن “الحاجة الاقتصادية المجردة لا تفسر توقيت تقديم القروض.
سياسات التقشف
واختتم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتحذير من التداعيات الاجتماعية لسياسات التقشف المتّبعة، موضحاً أن شروط صندوق النقد الدولي تتركز حالياً حول التوسع في الخصخصة، تقليص القطاع العام، وتخفيض الإنفاق الحكومي. ورأى أن هذه الوصفة تؤدي عملياً إلى تقليص الدور الرعائي للدولة وتخليها عن دعم السلع الأساسية والمواد التموينية لصالح تعظيم مصالح القطاع الخاص، مما انعكس سلباً على منظومة الأمان الاجتماعي وزاد من الضغوط المعيشية على الفئات الأكثر هشاشة.
إعفاء الديون
والتأم اجتماع إلكتروني (عبر تقنية الاتصال المرئي) بين الحكومة السودانية وبعثة صندوق النقد الدولي لدى السودان، الثلاثاء، لمناقشة مسودة “خارطة طريق إكمال عملية إعفاء ديون السودان” في إطار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC).
وترأس الاجتماع وزير الدولة بوزارة المالية، محمد نور عبد الدائم، بحضور د. محمد علي جمعة وكيل الوزارة المكلف، ومدير عام الإدارة العامة للتمويل الخارجي إخلاص محمد علي وممثلي الإدارة، إلى جانب ممثلي بنك السودان المركزي. فيما شارك عبر الاتصال المرئي نيثان بورتر، رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لدى السودان، إلى جانب خبراء الصندوق.
مفاوضات اقتصادية
وأكد الخبير الاقتصادي جمال حمدان أن السودان عبر “حكومة الأمل”، يقود حالياً مفاوضات اقتصادية ومالية متقدّمة تتسم بالمهنية والدقة العالية، مستكملاً خارطة الطريق المخصصة لإلغاء وإعفاء الديون الخارجية ، واعتبر حمدان أن هذه التحركات تشكل ركيزة استراتيجية تتيح للبلاد إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، ومخاطبة الصناديق الدولية لتمويل مرحلة إعادة إعمار ما دمرته الحرب، فضلاً عن إرسال رسالة إيجابية ومحفزة للمؤسسات الاستثمارية والدولية.
وأوضح “حمدان” أن المحطات الأخيرة لمسار السودان مع البنك الدولي ترتبط مستحقاتها بمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون ( HIPC )، مشيراً إلى التسلسل الإجرائي الذي خاضته الخرطوم .
تسوية المتأخرات
وقال حمدان في افادته ل”الكرامة” إن السودان أطلق عام 2021م عملية تسوية وجدولة متأخراته للبنك الدولي بدعم من قرض جسري أمريكي بقيمة 1.15 مليار دولار، ما أتاح حينها تخصيص منح من المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) بنحو ملياري دولار.
وأثمر الانضمام الرسمي للمبادرة عن اعتماد صندوق النقد الدولي لقرض بقيمة 2.5 مليار دولار (اتيح منه 1.4 مليار دولار فوراً)، بجانب وضع مسار زمني يتيح التوصل للقرار.
وأشار الخبير الاقتصادي جمال حمدان إلى أنه بناءًا على اجتماعات أبريل 2026 مع البنك والصندوق الدوليين، تتركز الأولويات والخطوات المتبقية في استئناف الشراكة الكاملة – إعادة تفعيل قناة التمويل التنموي مع البنك الدولي لدعم مشاريع البنية التحتية والإعمار ومفاوضات نادي باريس- التواصل مع الدائنين الثنائيين لشطب ونزع زهاء نصف الديون الثنائية.
بجانب الإصلاحات الهيكلية والحوكمة وتطبيق برنامج إصلاحات اقتصادية يمتد لنحو 3 سنوات يهدف إلى ضبط المالية العامة وتعزيز الاستقرار المالي ، إضافة إلي توفير البيانات وتزويد المؤسسات الدولية بالبيانات الإحصائية والمالية اللازمة لدعم ملف المعالجة.
رؤية متكاملة
ورغم التحديات الميدانية والهيكلية الناجمة عن ظروف الحرب، بين د. جمال حمدان أن “حكومة الأمل” طرحت رؤية متكاملة للإصلاح الاقتصادي، لافتاً إلى الدعم الملموس من ممثلي المملكة المتحدة لدى البنك الدولي للتقريب بين الجانبين وتقديم المساعدات الفنية، تمهيداً للوصول إلى “نقطة الإكمال” (Completion Point) التي تُعفي نهائياً أكثر من 90% من أصل وفوائد الديون.
تسوية الديون
وعن الأثر المباشر لإنهاء ملف المديونية، أكد “حمدان” إن تسوية الديون الخارجية تعالج الضغط المزمن على سوق العملات الأجنبية وستؤدي مباشر إلى استقرار أسعار الصرف نظراً لتوفر النقد الأجنبي عبر الطرق والمؤسسات الرسمية وانسياب التحويلات المالية الدولية.
تذبذب العملة
وأضاف حمدان أن هذا الاستقرار سينعكس بشكل إيجابي ومباشر في كبح جماح التضخم وتهدئة موجات الغلاء الناتجة عن تذبذب سعر العملة.
كما شدد على أن الإعفاء سيعيد فتح أفق الاستثمار المباشر وتوفير تمويلات طويلة الأجل لقطاعات حيوية كالزراعة، الطاقة، والبنية التحتية، وهي قطاعات يصعب تمويلها محلياً. وتطرّق إلى الدور المرتقب للمجهود المصرفي الداخلي، حيث ستتمكن البنوك الوطنية من بناء شبكات مراسلين وشراكات ممتدة مع دول كبرى مثل الصين والهند.
واختتم جمال حمدان قراءته بالإشارة إلى أنه على الرغم من العقبات القائمة—وفي مقدمتها الحظر الأمريكي المعروض على بعض القطاعات—فإن خطوات العمل المهني قادرة على تجاوز هذه التحديات، مشدداً على أن خارطة الطريق قابلة للتطبيق بامتياز إذا ما واكبتها سياسات داخلية منضبطة، وفي مقدمتها الامتناع القاطع عن إصدار خطابات ضمان سيادية أو الالتزامات المؤجلة غير المدروسة.
مرحلة حرجة
بدوره أكد الخبير الاقتصادي مجدي أمين أن التحرّكات والاجتماعات الحالية الخاصة بملف ديون السودان الخارجية تأتي في مرحلة حرجة للغاية يمر بها الاقتصاد الوطني، جرّاء تعرّضه لـصدمات مزدوجة على المستويين التنموي والمؤسسي.
واعتبر أمين في إفادته ل”الكرامة” أن إنعاش هذا الملف يمثل طوق نجاة ضروري ومحوري لإعادة إدماج البلاد داخل كوكبة النظام المالي والمصرفي العالم.
وأوضح أمين أن التحركات الراهنة في ملف المديونية تحمل رسائل إيجابية متعددة الأبعاد وجهت بشكل مباشر إلى المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل أبرزها تأكيد الجدية والإصلاح وارسال إشارة قوية تؤكد جدية السودان في استيفاء متطلبات الإصلاحات الهيكلية بصرامة، رغم قسوة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وقال امين يتطلب الوضع إثبات الاستعداد الكامل لتطبيق أعلى معايير الشفافية والانضباط المالي والنقدي، بما يعزّز ويكسب ثقة الدائنين والمستثمرين الدوليين.
وقال مجدي إن كسر حالة الجمود والعزلة المالية التي عانى منها السودان، وفتح قنوات التواصل والتعاون المعطلة مجدداً مع الكيانات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين خطوة مهمة.
وسلّط الخبير الاقتصادي مجدي الضوء على الآثار الهيكلية والمباشرة المتوقعة حال التوصل إلى تسوية وإعفاء كامل للديون ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون ( HIPC ) مشيراً إلى أن انعكاساتها ستكون بمثابة نقطة تحول جذرية في الاقتصاد المحلي وتخفيف العبء المالي واسترداد الاستقلالية وتخليص البلاد من مخزون ديون تاريخي هائل كان يشكل العائق الأكبر أمام أي خطط للنهوض والتنمية، حيث كانت “خدمة الدين” تلتهم الكتلة الأكبر من الإيرادات، مما يساهم مباشرة في تحرير القرار السيادي والاقتصادي وفك القيود المفروضة على الاقتراض الخارجي لتمويل المشروعات القومية.
وقال من شأنه فتح الطريق أمام تحسين التصنيف الائتماني للسودان تدريجياً، وهو ما يسهل التدفق المستقبلي للقروض الميسرة والمنح التنموية دون إرهاق الأجيال القادمة بأعباء إضافية.
حماية مباشرة
واختتم مجدي أمين تحليله بالتأكيد على أن وقف استنزاف النقد الأجنبي لصالح سداد خدمة الديون سيوفر حماية مباشرة لاحتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي، الأمر الذي سينعكس فوراً على استقرار سعر صرف العملة الوطنية موضحا أن خفض الضغط على الموازنة العامة يقلل الاعتماد المفرط على “التمويل بالعجز” طباعة العملة، مما يشكل أداة رئيسية في كبح جماح معدلات التضخم المرتفعة والتخفيف المباشر من وطأة غلاء المعيشة على المواطنين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top