حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
- من داخل القاهرة (2)
(1)
إن موضوع العلاقات السودانية المصرية يحتاج لمعالجة متعمّقة… ونظرة جديدة مواكبة للمتغيّرات التي لا تتوقّف … وإلا سيكون ما يكتب تكراراً للكلام الكثير الذي قيل فيها ومنذ عهود مضت إلى يوم الناس هذا… لذلك أتوقع أن تمتد هذه السلسلة لأنني سوف اصطحب معها الواقع السوداني الذي عمّقته الحرب فينا بجروحها الغائرة… فكما قلت من قبل (الدخلت فينا ما بتمرق تاني) شيء هام أقفز به إليكم… وهو أن هذه السلسلة لن تنتهي إن شاء الله بالدعوة لوحدة وادي النيل… أو الاتحاد مع مصر… أو التكامل معها أو… كل هذه الشعارات المستهلكة ولكنها إن شاء الله تدعو إلى مقاربات بين شعبي البلدين بعيداً عن الحكومات وربما بعيداً عن الدولتين… لم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد ولا حتى الأساسي في العلاقات الدولية… في تقديري إن الفاعل الأول في العلاقات الدولية الآن هو الطبقة البرجوازية بشقيها الكبيرة والصغيرة… فدعونا فيما يتعلّق بالعلاقات بين مصر والسودان أن نجرب هذه المرة هذه الطبقة أي الطبقة البرجوازية أي الطبقة الوسطى… فالطبقة الوسطى هي الكتلة الحيوية القابلة للتمدّد لتجذب الطبقة الارستقراطية على محدويتها إلى أسفل… والطبقة الفقيرة على اتساعها إلى أعلى… وهذه فرضية ثانية تضاف لما ذكرناه من فرضية سابقة فإن شاء الله “كيبوردنا” إلى “كيبوردكم” نجري حوارا هادفا (ندق ونديكم… تدقوا وتدونا) .. فأي جهد إصلاحي أوله كلام (فاليسعد النطق اذا لم يسعد الحال)….
(2)
بعد أن أمضيت مائة يوم في القاهرة حرصت على التحدّث إلى كل من التقيته من الذين أجبرتهم الحرب على النزوح لمصر…. تحديداً الذين لم يكن على بالهم الحضور الي مصر نهائياً.. ليس لأن لهم رأي في مصر بل ماكانوا يظنون أنهم سيخرجون من ديارهم إلى مكان آخر غير أماكن تواجد أهلهم وأعمالهم… كل حواراتي التي أجريتها مع مختلف الطبقات من معارفي الخاصة من الشاكلة أعلاه ولكن اكثر فئة قابلتها هي فئة العائدين من مصر إلى السودان لأن موقع سكني قريب جداً من مكان تجمعهم… حتى الذين سافروا بالقطار ذهبت إلى وداع بعضهم في محطة رمسيس… وهذه الفئة يمكن تسميتها (الهاربون إلى مصر.. العائدون منها) فهولاء تجربتهم اكتملت.
وما قمت به ليس عملاً علمياً ممنهجاً بل كان عبارة عن دردشات وونسات عادية.. كان همي فيها التعرّف على الانطباع الذي خرجوا أو سيخرجون به من مصر… تحديداً ماهي صورة مصر في أذهانهم قبل المجيء إليها ثم هل تغيّرت هذه الصورة بعد العيش فيها؟.
(3)
..معظم الذين تحدثت إليهم تراوحت مدة مكثهم في مصر بين العام والعامين..
من الآخر كدة نسبة كاسحة منهم قالت أنهم كانوا يحملون صورة ذهنية سلبية عن الشارع والمجتمع المصري قبل قدومهم…. لا بل حتى وهم في طريقهم إليها… والآن قد تغيّرت هذه الصورة تماماً إلى صورة ذهنية إيجابية…. بعضهم قال إن ذلك حدث من أول أسبوع… وبعضهم قال إن التغيير الذهني أخذ معه زمن أطول لأنه كان متحفزاً و(عامل حسابه شديد من المصريين) لانود هنا أن نفصل في حيثيات الحوار… من انبهار بالقاهرة من حيث البنيات الأساسية والمواصلات والأكل والشرب… في تقديري أن الأمر يحتاج إلى استبيان علمي تقوم به إحدى المؤسسات السودانية المهتمة بهذا الشأن … علمي من حيث تكييف الموضوع واختيار العينة وأسئلة الاستبانة.. استبيان يقف عليه مختصين أكاديمياً وفنياً… لكي نصل إلى نتائج أقرب للصواب.. وبعد داك صناع ومتخذي القرار في البلدين على كيفهم يبنوا عليه سياسات أو يجدعوا به في سلسلة المهملات هذا بافتراض أن الشغلانة ورقية وليست إلكترونية… قد يرى البعض أن هذا ترف أكاديمي (فنحن في شنو وإنت في شنو) ولكن في تقديري أنه يخدم فرضية أن هذه الحرب اللعينة اوجدت فرصاً جديدة لمسارات قديمة ،ومن ضمنها العلاقة بين السودان ومصر (أمسك عندك دي فرضية ثالثة… والله المستعان)
اما من أين اتت هذه الصورة السلبية ولماذا تغيّرت فالاستبيان المقترح أعلاه يمكن أن يعطي مؤشرات ولكنها تحتاج إلى حفر أعمق… فابقوا معنا إن شاء الله.






