في ظل استمرار الحرب في البلاد..
الإعلام السوداني.. حضور قوي ورؤية تستشرف المستقبل
تجربة(صحيفة الكرامة) مثلت الدعم الحقيقي المساند للقوات المسلحة..
مساهمات من العيار الثقيل عبر الفضائيات لضياء والباز ومزمل وعيدروس واخرين
الزرقاء مثلت شامة في فضاء السودان بمساهمات وطنية قيمة..
كتب- مامون عثمان
من المعلوم الأوجه المتعددة التي تعانيها مهنة الصحافة في السودان منذ وقت طويل، كغيرها من المهن ، لكن هذه المعاناة قد تفاقمت منذ نشوب الحرب في 15 أبريل 2023، ما جعلها معاناة مركبة ومعقدة للغاية ، فطبيعة عمل الصحفي كما هم معروف ، تتمثل في اعتماده على رصد الحقائق والعمل على نقلها للناس في داخل أو خارج السودان، الأمر الذي قد لا يكون مرحبا به في أوقات النزاع ، ويصطدم الصحفيون الذين يحاولون العمل في مثل هذه الظروف بالكثير من التحديات والعقبات التي تجعل من أداء الواجب المهني أمرا محفوفا بالمخاطر وصعبا إن لم يكن مستحيلاً؛ وفي ظل ضعف أو قل انعدام خدمات الإنترنت والاتصالات، ما يجعل نقل الحقائق أمرا بالغ الصعوبة.
وعلى الرغم من تلك الصعاب والتضحيات المتعاظمة ، فقد رسخ الإعلاميون السودانيون منذ ذلك التاريخ والذي قارب العامين الآن تجربة إعلامية متميزة حول تداعيات حرب الكرامة وتطوراتها المتسارعة وانتقالها إلى خارج ولاية الخرطوم جنوبا وشرقا باتجاه ولايات الجزيرة وسنار وبعض مناطق ولاية النيل الأبيض أو شمالا باتجاه المناطق الجنوبية لولاية نهر النيل فقد مثل الإعلاميون السودانيون جسرا منيعا لصد الأكاذيب والترهات التي يرددها أبواق المليشيا في الخارج من خلال مساحات البث الفضائي أحيانا أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وبعض صفحات الناشطين على الفيس بوك من المداومين على الظهور منذ اندلاع الحرب ، وقد حرص المنتسبون للمليشيا ومستشارو قائد المليشيا كما يسمون أنفسهم ، وتريد بعض القنوات الفضائية صفة من هذا الحجم لتوهم المشاهدين بقوة مصادرها أو لتمرير أجندتها في المشهد السوداني من خلال هذا التصنيف ، و يتسلل إلى مخيلتك من خلال تناول (بعض الفضائيات) ملف الحرب أنها لا تريد لحرب السودان نهائية لأنها تصنع لهم مادة ومع علم هذه الفضائيات باستمراء الكذب والتدليس من قبل ضيوف المليشيا (مع أن هذه الفضائيات باتت تعلم كل شئي عن دراما المليشيا وداعميها) إلا أنهم استمروا في استضافتهم (يراد للمسرحية أن تكون بعروض لانهائية) وعدم مضايقتهم في بعض موضوعات النقاش التي يوقن المتلقي البسيط بحقيقتها مثل (مصير قائد المليشيا) أو من قبيل مصادر دعم المليشيا الإقليمية والدولية بالأسلحة والتشوين ، لقد ملأ ممثلو المليشيا والناطقين باسمها مساحات هذه الفضائيات نعيقا وإفكا وزيفا وتضليلا ونشرا للشائعات وتبنيا للحملات المشبوهة والمنظمة ، ويبدو أن مستوى التنسيق بين هؤلاء مكتملا من حيث تبادل المعلومات المراد بثها والتركيز عليها بين من يتحدث باسم المليشيا في الخارج من بعض الدول الأوربية أو بعض الدول الافريقية ، لكنها مساهمات وازنة ومقدرة من العيار الثقيل عبر الفضائيات وخاصة من خلال قناتي الجزيرة والجزيرة مباشر، ألجمت المليشيا ومدلسيها وحلفائها السياسيين ، وبينت حجمهم وضحالة طرحهم وهوانهم على الناس ، ولعل أبرز هذه المشاركات المقنعة لصحفييين ومحلليين سودانيين منذ بداية الحرب وحتي نهاية العام المنصرم 2024 ، كانت على سبيل المثال لا الحصر مشاركات الزملاء والأساتذة ضياء الدين بلال ، والدكتور أسامة عيدروس ، والدكتور مزمل أبوالقاسم ، والأستاذ عادل الباز وآخرين ، قد لا يتسع المجال لذكرهم بشكل كامل.
لكن العام 2024 كان هو العام الأبرز لجهد الإعلاميين والصحفيين السودانيين وخاصة بعد تكشف كافة الحقائق المتصلة بالحرب وتداعياتها وأهدافها من قبل المليشيا وداعميها ومن يخطط لها ، لقد قدم الصحفيون السودانيون تجارب مميزة خلال هذا العام المنصرم في ظل هذه الظروف التي فقدت فيه الصحافة السودانية المكتوبة أي مقومات للصدور ، فضلا عن تفرق الكوادر الصحفية خاصة بين الدول والمناطق ، والنموذج الذي يمكن أن نتناوله هو تجربة(صحيفة الكرامة) والتي مثلت الدعم الحقيقي المساند للقوات المسلحة وكافة الأجهزة الأمنية والمقامة الشعبية في حرب الكرامة ، ومثلما أنها مثلت المراءة الصادقة للتعبير عن صوت أهل السودان في هذه الظروف التي يعايشونها للمرة الأولى في حياتهم ، صحيفة الكرامة التي يرأس تحريرها الصحفي المميز الزميل الأستاذ محمد عبدالقادر ، ويتولى إدارتها الزميل الصحفي الأستاذ أيمن كبوش قدمت خدمة جليلة للسودان وأهله، وتضم بين صفحاتها عقدا نضيدا من جيل فريد من الصحفيين السودانيين أبرزهم الأستاذ القامة والقمة حسين خوجلي ، ويوسف عبد المنان ، وراشد عبدالرحيم ، ومنى أبوزيد ، وآدم محمد حامد ، ومحمد جمال قندول ، وإسماعيل جبريل تيسو ،وعاطف الجمصي ، وطارق شريف ، وإسماعيل حسن ، وهبة محمود ، وأحمد دندش ، وغيرهم من الاخوة الصحفيين المميزين.
وفي السياق ذاته، فقد مثل الإعلام السوداني على مختلف ضروبه في الصحافة المكتوبة أو الصحافة الالكترونية أو الإذاعة المسموعة أو من خلال الفضائيات حضورا في الأزمة والمأساة السودانية التي تطاول أمدها، ونذكر هنا دور القناة الوليدة (الزرقاء) والتي يقودها الربان والمخرج المتمكن الزميل الأستاذ سيف الدين حسن والباشمهندس محمد على أبو شيبة ، لقد مثلت الزرقاء شامة في فضاء السودان بمساهمات وطنية قيمة، في ظل مأساتنا الوطنية الماثلة ، من كل من مجدي عبدالعزيز، وعفراء فتح الرحمن ، وأحمد ناجي ، وخالد لقمان ،وبقية العقد الفريد.
أما الذراع الإعلامية للدولة السودانية الإعلامية ولا أقول ذراع الحكومة، فهما أصل الحكاية (الفضائية السودانية – وإذاعة أم درمان) كيف لا فقد كانتا والعاملون بهما في صدر المؤسسات التي دفعت ثمن الحرب، بعد سيطرت المليشيا عليهما وحبست بعض العاملين بهما لحظت قيام الفاجعة، وبعد شهور قليلة بعد اندلاع الحرب تمكنت الفضائية السودانية من الظهور والبث من حاضرة ولاية البحر الأحمر بورتسودان بفضل جهد الاخوة المهندسين في الإدارة الهندسية ولا نستطيع أن نحصي أسماءهم جميعا فلهم منا التحية ، أما برامجيا فنحي الأخ والزميل الأستاذ عمار فتح الرحمن شيلا الذي تصدي للأيام الأولى لانطلاقة الفضائية السودانية من بورتسودان بجهد وطني خالص، أما صوت السودان الأصيل والدافئ (الإذاعة السودانية) ، والتي ظل صدى صوتها يرن في الآذان حتى في وقت غيابها ، فقد كانت هي الأخرى من بين مقدمي التضحيات الجمة إلى أن تمكنت من إعادة إرسالها من مدينة عطبرة بجهد المهندسين والفنيين المهرة ، وعاودت البث معها إذاعة بلادي وإذاعة القوات المسلحة ونذكر من الفنيين الذين قدم جهدا مقدرا في عودة هذه الإذاعات الأخ الزميل محمد إسلام عبيد عبدالرحمن فله ولهم التحايا.
ولا تعد الأمثلة التي سقتها هي كافة الجهد الصحفي والإعلامي الذي يقدم، وإنما ذكرت ذلك على سبيل المثال لا الحصر، فالتحايا لكل قبيلة الصحفيين داخل السودان أو المنتشرين في سائر بقاع الأرض وهم يألمون لوطنهم وأهلهم ويحملون الهم ليل نهار، وهم يقدمون خدماتهم بالفيديوهات من على صفحاتهم عبر وسائط التواصل الاجتماعي أو عبر مداد أقلامهم من على حساباتهم الخاص وهم يؤشرون على الحقائق ويحركهم ضميرهم على القيام بدور صاحبة الجلالة.
ووفقا لبيانات اتحاد الصحفيين إن عدد الصحفيين السودانيين المسجلين في كشوفات الاتحاد يربو عن 2500 عضو من العاملين في المؤسسات الصحفية والإعلامية وأجهزة الدولة والشركات الخاصة، وجدوا أنفسهم بلا عمل عند انطلاق شرارة الحرب، بل وتقطعت بهم السبل ليمتهن بعضهم أعمالا لا علاقة لهم بها سعيا لكسب العيش ، ففي ظل التحديات والواقع الماثل الذي تنعدم فيه الفرص أمام الصحفيين حيث لا توجد مظلة تأويهم وتحميهم ، فهل يدرك القائمون بالأمر انطلاقا من المسؤولية الوطنية أهمية الدور الذي يلعبه الصحفيون ، وضرورة الاهتمام بهم في مرحلة هي الأهم والأحرج في تاريخ بلادنا ، ويستشرف أهل الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية ، عاما جديدا وكلهم أمل أن يكون عام الانتصارات والتنمية والاستقرار على كل أهل السودان.






