للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
الجزيرة.. أمل الخلاص المؤجل
ولاية الجزيرة، تلك الأرض الخضراء التي كانت تُغني للحياة، أصبحت اليوم مرآة للحزن والمأساة ،الحقول التي لطالما احتضنت القطن والقمح، غمرتها الدماء ،القرى التي كانت تنبض بالضحكات، سادها الصمت الموحش ،الأرض التي أنجبت رموز الفن والثقافة والرياضة، أصبحت مسرحاً للفقد والدمار.
مدني، المدينة التي اعتادت أن تستقبل زوارها بابتسامة دافئة، غرقت في بحر من الأحزان، الطرقات التي كانت تعج بالحركة، امتلأت بأطياف المآسي ،البيوت التي كانت تزهو بالحياة، طالتها يد الخراب، الأحلام التي كانت تُزرع مع كل موسم حصاد، ذبلت تحت وطأة القهر والجوع.
الحصاحيصا، المدينة الضاجة بالحياة، انطفأت أضواؤها، رفاعة مدينة العلم والنور، عانقت الظلام لأول مرة، الكاملين وكلكول،و(جناين المنقة والليمون)، أُطفئت فيها أصوات الطيور، وحل مكانها أنين الأرض الجريحة.
في كل بيت من بيوت الجزيرة، عيون تترقب الأفق، وآذان تستمع لكل همسة خبر ،الأمل في وصول القوات المسلحة بات شريان الحياة الذي يُبقي على قلوب أهل الجزيرة نابضة، انتظار التحرير صار نبضاً مشتركاً بين الحقول والبيوت، بين المساجد والمدارس، بين الصغير والكبير، الدعوات لا تنقطع، والأعين تراقب بلهفة تلك اللحظة التي تنقشع فيها سحب الظلم، ويعود النور إلى الولاية التي لطالما أضاءت السودان.
دماء الأبرياء سالت على أرض لطالما كانت رمزاً للسلام، أجساد متعبة تحملت أعباء الحياة والحرب معاً ،صرخات الأطفال، دموع الأمهات، وأصوات الحسرات، ملأت سماء الجزيرة التي كانت تُغني يوماً أغنيات الفرح.
على ضفاف النيل الأزرق، وقفت الجزيرة تنتظر الأمل الذي لا يموت ظل مشتعلاً في قلوب أبنائها، انتظار التحرير تحول إلى صلاة لا تنقطع، ودعوات لا تعرف اليأس، الحقول تنتظر عودة المزارعين، المدارس تنتظر عودة التلاميذ، والمساجد تنتظر أصوات الأذان .
الأرض التي كانت تُطعم السودان، الأرض التي أعطت بلا حساب، تستحق الخلاص. الجزيرة، بجلالها وتاريخها وإنسانها، ستنهض يوماً، الدماء التي سُكبت، الدموع التي انهمرت، ستتحول إلى بذور لحياة جديدة.






