هناك فرق
منى أبوزيد
في رجالة جلحة..!
*”هزمتك يا موت الفنون جميعها، هزمتك وانتصرت وأفلت من كمائنك الخلود، فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد”.. محمود درويش..!*
في كتابه “هكذا تكلم زرادشت” قال نيتشة إن الإنسان الشجاع هو من يرى الهاوية بعين الصقر ويلمس القاع بمخالب الصقر أيضاً، وهذا يعني رؤية واضحة للخطر وقوة وجرأة في مواجهته..!
وبينما اعترف سقراط بفشله في تعريف الشجاعة التي مارسها بالفعل من خلال ثباته كجندي مقاتل في المعارك،اتفق أفلاطون وأرسطو على أن الشجاعة هي الإقدام على فعل ما من أجل قيمة نبيلة..!
الشجاعة في مواجهة الموت إذن منزلة تفاوت الفلاسفة في تعريف موجبات استحقاق الإنسان لبلوغها، فلا ضير في أن تحاول كاتبة مثلي تعريفها أيضاً فتقول بأنها “قوة الإدراك لطبيعة المخاطر وحقيقة الاحتمالات المترتبة على مواجهتها”..!
ولن تترتب كارثة وطنية على أن يحاول جنجويدي مثل جلحة تعريف الشجاعة فيقول بأنها الاستهانة بالموت والاستخفاف بوقوعه إلى درجة الذهاب إلى البحث عنه دون جدوى “نحن مشينا فتشنا للموت ما لقيناه”..!
بادعاء البحث عن الموت في معرض تعريفه للشجاعة – أي الرجالة – أخرج جلحة معنى الشجاعة من سياقه المنطلق من فطرة الإنسان السويَّة باعتباره ردة فعل إيجابية في مواجهة الخطر، وحوله إلى فعل بحث عن الموت نفسه..!
فضلاً عن أن عدم الخوف من مواجهة أسباب الموت يحتاج إلى مُسَوِّغات موضوعية “عقيدة قتالية أو يقين صوفي أو اكتئاب نفسي.. إلخ.. وكل هذه المُسَوِّغَات تنتفي عند جلحة وأمثاله الذين يفتقرون إلى الوعي بقيمة الإنسان أولاً ومن ثم فهم يفتقرون إلى الوعي بقيمة الحياة نفسها..!
الرجالة عند جلحه ومن معه هي عدم الخوف من الموت المتمثل في عدم الخوف من الدواس، يعني عدم الخوف من مواجهة الآخر مطلقاً وبالتالي الشجاعة الإقدام، لكن ما علاقة أفعال المليشيا من سرقة ونهب واغتصاب وقتل وتنكيل الرجالة – أو الشجاعة – مطلقاً..!
وإذا ما نحن أخضعنا أفعال جلحة وأصحابه بما يرونه جبناً وخوفاً يصفون به حال من غادروا بيوتهم ومدنهم حفاظا على حياتهم وحماية لأعراضهم ونسائهم وأولادهم.. إلخ .. فهل الامتناع عن الفعل في مثل هذه الحال هو “عدم رجالة” مقارنة بالفعل الإجرامي عند جلحة وإخوانه..!
ما هي الرجالة حقاً وما هو مفهومها الحقيقي، وماهي الأفعال التي يتم تصنيفها ضمن تمظهرات الرجالة الجد جد، هل هو الفعل اللازم أم الفعل المتعدي..!
هل هو الفعل المتعدي الذي ينصب مفعولين حتى وإن كان فعل النصب ظلماً وعدواناً، أم هو فعل امتناع لوجوب الامتناع أحياناً..!
لكي لا يكون هنالك جلحة آخر لا بد من إعادة صياغة معظم الأفكار والقناعات في سودان ما بعد الحرب، ثم أنه لا بد من إعادة تعريف مفهوم الرجالة أولاً!.
munaabuzaid2@gmail.com






